راي

مرفأ الكلمات ــ عثمان عولي ــ الجنيه السوداني يصرع حكومة الأمل ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

لم تعد قضية الجنيه السوداني مجرد رقم يتحرك صعوداً وهبوطاً في شاشات الأسواق، ولم يعد سعر الصرف شأناً اقتصادياً محضاً يمكن أن يبقى محصوراً في مكاتب وزارة المالية والبنك المركزي. الجنيه اليوم صار مرآةً لحياة المواطن، وكلما انخفضت قيمته ارتفعت كلفة الخبز والدواء والتعليم والمواصلات، واتسعت المسافة بين دخل المواطن واحتياجاته الأساسية.
ومن هنا يصبح السؤال مشروعاً: إلى أين تمضي حكومة الأمل؟
لقد وقفنا، في مقالات سابقة، خلف الدكتور جبريل إبراهيم، وزير المالية، ودعمنا جهوده عندما رأينا فيها أملاً في إدارة الاقتصاد خلال واحدة من أصعب المراحل التي مر بها السودان. لكن دعم المسؤول لا يعني إعفاءه من المساءلة، والوقوف مع الدولة لا يعني الصمت على مواطن الخلل.
اليوم، والعملة الوطنية تنزف، والأسواق تضيق على الناس، والقدرة الشرائية للمواطن تتراجع، يصبح من حق الشعب أن يسأل الحكومة: ماذا تفعلون؟ وإلى متى يستمر هذا التراجع؟
الحرب التي يخوضها السودان لم تعد محصورة في ميادين القتال. آثار الحرب امتدت إلى الاقتصاد والأسواق والخدمات والإنتاج ومعاش الناس. ولذلك فإن المعركة الاقتصادية لا تقل خطورة عن المعركة العسكرية، لأن إضعاف المواطن وإفقاده الثقة في المستقبل يمكن أن يتحول إلى أزمة اجتماعية وسياسية واسعة.
وقد قلت من قبل إن القوات المسلحة السودانية تخوض حرباً ذات أبعاد إقليمية ودولية، وإن استمرار الصمود العسكري يحتاج إلى جبهة داخلية متماسكة، واقتصاد قادر على توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة.
فلا يكفي أن ينتصر الجيش في الميدان إذا خسر المواطن معركته أمام السوق.
وهنا تحديداً تقع مسؤولية حكومة الأمل.
ليس المطلوب منها أن تصنع المعجزات، فالسودان يعيش حرباً قاسية، واقتصاده يواجه اختلالات عميقة تراكمت خلال سنوات، فضلاً عن آثار الحرب والنزوح وتعطل الإنتاج وتضرر البنية التحتية. لكن المطلوب هو أن يشعر المواطن بأن هناك خطة واضحة، وقرارات حاسمة، وأجهزة دولة تعمل، ومسؤولين يتحملون مسؤولية النتائج.
فالجنيه لا ينتظر البيانات، والمواطن لا يستطيع أن يدفع فاتورة حياته بالوعود.
كل يوم يمر بلا حلول اقتصادية ملموسة يضاعف الضغط على الأسرة السودانية، ويجعل المواطن يبحث عن إجابة لسؤال بسيط: كيف أعيش غداً؟
وهنا يصبح الحديث عن الحكومة أكبر من أسماء الوزراء، وأكبر من الخلافات السياسية؛ إنه حديث عن قدرة الدولة على إدارة المرحلة.
لقد آن الأوان لمراجعة أداء حكومة الأمل مراجعة حقيقية، وزارةً وزارة، وملفاً ملفاً، بعيداً عن المجاملات. وإذا ثبت وجود قصور في إدارة الاقتصاد والمال والإنتاج والخدمات، فلا بد من المعالجة، سواء بإعادة ترتيب الأولويات أو تغيير السياسات أو استبدال المسؤولين الذين لم يستطيعوا تحقيق المطلوب.
أما أن تستمر الدولة في انتظار تحسن الأوضاع بينما تتسع معاناة المواطن، فذلك أمر لا يحتمل التأجيل.
وأقولها هنا بوضوح، مع كامل الاحترام لمؤسسات الدولة ولقائدها: الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بوصفه رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، أمامه مسؤولية تاريخية في تقييم أداء الحكومة ومراجعة قدرتها على إدارة هذه المرحلة.
المطلوب ليس غضباً سياسياً ولا تصفية حسابات، وإنما قراراً وطنياً يحمي الدولة والمواطن معاً.
فالشعب الذي صبر على الحرب، وتحمل النزوح، وفقد المنازل والأموال والأحبة، لا ينبغي أن يجد نفسه أمام حرب أخرى في السوق لا يعرف كيف ينتصر فيها.
أما الحكايات التي تتناقلها بعض المنابر عن مواطنين بلغ بهم اليأس مبلغاً خطيراً، ومنها روايات عن محاولات اعتداء على مؤسسات الدولة بسبب الضائقة المعيشية، فإنها ـ إن صحت ـ يجب ألا تمر باعتبارها مجرد أخبار عابرة. وإن لم تثبت، فإن تداولها أيضاً يكشف حجم القلق الذي يحيط بالمجتمع، ويؤكد ضرورة التعامل مع الأزمة الاقتصادية بمسؤولية، لا بالشائعات.
فالإنسان حين يفقد الأمل يبحث عن أي باب للخروج من أزمته.
والدولة الذكية لا تنتظر حتى يصل المواطن إلى الحافة.
الجنيه السوداني اليوم يرسل رسالة قاسية.
والرسالة ليست إلى وزير المالية وحده، ولا إلى الحكومة وحدها، وإنما إلى كل مؤسسات الدولة:
هناك مواطن ينتظر خبزاً ودواءً وأمناً ودخلاً يحفظ كرامته.
إن حكومة الأمل مطالبة بأن تجعل من اسمها واقعاً يراه الناس، لا عنواناً سياسياً جميلاً.
فالمرحلة المقبلة ليست مرحلة بيانات وتصريحات، وإنما مرحلة إنتاج، واستقرار نقدي، وضبط للأسواق، وتشغيل للمؤسسات، ودعم للزراعة والصناعة، واستعادة للثقة، واستعداد حقيقي لإعادة الإعمار.
والانتصار العسكري يحتاج إلى انتصار اقتصادي يوازيه.
لأن المواطن هو سند الجيش، والجيش مؤسسة من مؤسسات الدولة، والدولة لا يمكن أن تنتصر وهي تترك مواطنيها وحدهم في مواجهة الغلاء والانهيار المعيشي.
الجنيه قد يصرع حكومة الأمل، إذا لم تنتبه الحكومة إلى أن سقوط العملة ليس مجرد سقوط رقم، وإنما سقوط ثقة.
والثقة إذا سقطت، لا تعيدها البيانات.
تعيدها القرارات.
والقرارات تحتاج إلى شجاعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى