
في مهنة الصحافة، كلما لمع نجم الصحفي واتسعت دائرة تأثيره، ازدادت محاولات استدراجه إلى كمائن يصنعها أصحاب المصالح وتجار الشائعات. فالنجاح لا يجذب الإعجاب وحده، بل يستدعي أيضاً الحسد والرغبة في إسقاط المتميزين. وكما يقول المثل الشعبي: “التور لو وقع بتكتر سكاكينو.”
ولهذا فإن أول ما يجب أن يتحصن به الصحفي هو أخلاقيات المهنة، فهي الحصن الذي يحميه من أن يكون أداة في يد الآخرين. فالخبر لا يُنشر لمجرد أنه مثير، وإنما لأنه صحيح، موثق، ومسنود بالأدلة. والسبق الصحفي الحقيقي ليس في سرعة النشر، بل في دقة المعلومة وسلامة المصدر.
ومن أخطر ما يواجه الصحفي أن يندس له من يضع “السم في الدسم”، فيمرر معلومات مغلوطة أو ناقصة بقصد تصفية حسابات شخصية أو سياسية، فيتحول الصحفي ـ دون قصد ـ إلى وسيلة لنشر رواية غير صحيحة، بينما يظن أنه يؤدي واجبه المهني.
وفي هذا السياق، أرى أن الزميلة رشان أوشي، وهي من أبرز الأسماء الصحفية التي عُرفت بجرأتها في كشف ملفات الفساد، قد وجدت نفسها أمام اختبار مهني صعب بعد نشرها معلومات تتعلق بصيانة منزل الأمين العام لحكومة ولاية الخرطوم. ولا أشك في أن دافعها كان البحث عن الحقيقة، غير أن التجربة تؤكد أن حتى أكثر الصحفيين خبرة قد يقعون ضحية لمصادر تسعى لاستغلال مصداقيتهم لتحقيق أهداف لا علاقة لها بالمصلحة العامة.
ولا يقلل ذلك من مكانة الزميلة رشان أوشي ولا من تاريخها المهني، فالصحفي الحقيقي يتعلم من كل تجربة، ويزداد حرصاً على التثبت والتدقيق، لأن المصداقية هي رأس مال الصحافة، وإذا اهتزت اهتز معها كل شيء.
وفي المقابل، فإن الحديث عن ولاية الخرطوم يقودني إلى شهادة أراها واجباً يمليه الضمير. فمن خلال ما تابعناه طوال سنوات الحرب وما بعدها، ظل والي الخرطوم يؤدي مهامه في ظروف بالغة التعقيد، متمسكاً بالبقاء داخل الولاية، ومشرفاً على إدارة الأزمة، ثم الانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار بعد أن كانت الخرطوم أكثر ولايات السودان تعرضاً للدمار. وقد بدأت بالفعل خطوات التعافي تظهر على أرض الواقع من خلال تنفيذ مشروعات وخطط إعادة البناء.
لقد كتبت مراراً أن والي الخرطوم يعد من أنجح الولاة، ليس بدافع المجاملة، وإنما استناداً إلى ما أراه من أداء إداري ومهني، وإلى ما عُرف عنه من النزاهة والتواضع والانتماء الوطني.
وختاماً، فإن المعركة الحقيقية ليست بين الصحفي والمسؤول، وإنما بين الحقيقة والزيف. والصحافة لا تنتصر إلا عندما تتحرى الدقة، وتمنح كل ذي حق حقه، وتبقى مستقلة عن الأهواء والمصالح. فالصحفي قد يخطئ، لكن عظمة المهنة تكمن في قدرتها على تصحيح الخطأ، أما التضليل المتعمد فهو الذي يهزم الصحافة ويخدم الفساد.
الصحافة الحرة ليست منصة لإطلاق الاتهامات، وإنما ميزان للحق، لا يميل إلا بالدليل، ولا ينحاز إلا للحقيقة.





