
وسط ضجيج الأخبار التي أنهكت القلوب، جاءت قرية عد الحاج بشرق الجزيرة لتمنحنا درساً مجانياً في الإنسانية، وتذكرنا بأن هذا الوطن، مهما أثقلته الجراح، لا يزال يحتفظ في أعماقه بمعدن أهله الأصيل.
لم يكن المشهد عادياً… كان الوطن كله يقف هناك.
أسرة فقدت فلذة كبدها، وألم لا يمكن للكلمات أن تصفه، ثم تأتي لحظة يعلن فيها أولياء الدم، أمام الملأ، عفوهم عن القاتل لوجه الله، لا طلباً لثناء الناس، ولا سعياً إلى مكسب، وإنما ابتغاءً لما عند الله. عندها لم تعد الدموع دموع حزن، بل أصبحت دموع انتصار على النفس، وانتصاراً للقيم التي بُني عليها المجتمع السوداني.
الكلمة التي أعلن بها أهل القتيل عفوهم لم تُبكِ أسرة القاتل وحدها، بل أبكت كل من كان شاهداً على ذلك الموقف العظيم، لأن التسامح الحقيقي لا يولد إلا من رحم الألم، ولا يعرف معناه إلا أصحاب القلوب الكبيرة.
ثم جاءت الصورة التي ستبقى عالقة في الذاكرة طويلاً… قائد قوات درع السودان أبوعاقلة كيكل يحتضن في عناق واحد أهل الدم وأهل القاتل، وكأن الرسالة تقول إن الوطن لا يقوم إلا إذا تعانق أبناؤه، وإن الدم لا يمحوه إلا الصفح، وإن المستقبل لا يُبنى بالأحقاد.
ولم يكن هذا النجاح وليد الصدفة، فقد وقفت خلفه جهود مخلصة بذلتها لجنة السلم الاجتماعي والمصالحات بولاية الجزيرة، التي أثبتت أن الحوار الصادق قادر على تجاوز أصعب الأزمات، علي راس تلك اللجنة الشيخ محمد عثمان الزبير رئيس لجنة المصالحات بلجنة السلم الاجتماعي بالجزيرة واركان سلمه ،وٱخرين ممن نذروا انفسهم لهكذا مبادرات ، كما كان للحضور الرسمي، بقيادة ممثل والي الجزيرة وزير الرعاية الاجتماعية الأستاذ ياسر نصار، وقائد الفرقة الأولى اللواء عادل عبدالله، ورئيس المقاومة الشعبية بالجزيرة اللواء م صالح الطاهر ، أثره في تأكيد أن الدولة تقف سنداً لكل مبادرة تعزز الأمن المجتمعي.
ويستحق الخليفة عبدالوهاب الكباشي وقفة تقدير خاصة، فقد ظل اسمه مرتبطاً بالإصلاح ورأب الصدع، متنقلاً بين الناس حاملاً غصن الزيتون، مؤمناً بأن الكلمة الطيبة قد توقف نزيفاً وتعصم مجتمعاً من الانقسام.
في زمن كثرت فيه دعوات الفرقة، جاءت عد الحاج لتعلن أن السودان الحقيقي لا يزال حياً. السودان الذي يعرف قيمة التسامح، ويحفظ مكانة العفو، ويؤمن بأن قوة المجتمع ليست في كثرة سلاحه، وإنما في سعة صدور رجاله.
هذا الصلح لم يكن نهاية قضية جنائية فحسب، بل كان بداية انتصار أخلاقي كبير، ورسالة إلى كل أنحاء السودان بأن السلام يصنعه الناس قبل المؤسسات، وأن أعظم الانتصارات هي تلك التي ينتصر فيها الإنسان على غضبه، ويغلب فيها صوت الحكمة على رغبة الانتقام.
سلام على أهل عد الحاج… وسلام على أولياء الدم الذين كتبوا بدموعهم درساً لن تنساه الجزيرة، وربما لن ينساه السودان كله.
هذه ليست قصة عفو فحسب، بل وثيقة أخلاقية تؤكد أن قيم التسامح والتكافل ما زالت حية في المجتمع السوداني، وأن بناء السلام يبدأ من نفوس الناس قبل أي اتفاق أو قرار.





