مرفأ الكلمات ــ عثمان عولي ــ الشراكات الوطنية… حين يتحول الأمل إلى قوافل عودة ــ بعانخي برس
بعانخي برس

لا تُقاس قيمة الشراكات الوطنية بكثرة الاتفاقيات الموقعة، وإنما بما تتركه من أثر في حياة الناس. وما نشهده اليوم في مشروع العودة الطوعية للسودانيين من القاهرة إلى الوطن يمثل نموذجاً عملياً لتكامل الأدوار بين المؤسسات الوطنية والمجتمع، حيث تلاقت جهود ديوان الزكاة ولجنة الأمل مع إرادة المواطن السوداني، فكانت النتيجة قوافل تعود إلى أرضها وهي تحمل معها الحنين والعزيمة والرغبة الصادقة في الإسهام بإعمار السودان.
لقد نجح ديوان الزكاة، بالتنسيق مع لجنة الأمل، في تفويج العائدين عبر ثمانية عشر حافلة، في مشهد يجسد روح التكافل الوطني، بينما تتواصل الاستعدادات لتفويج بقية السودانيين الراغبين في العودة، وهو ما يؤكد أن الانتماء لهذا الوطن لا تهزه المحن، وأن السودانيين متى ما وجدوا من يساندهم، اختاروا العودة على البقاء في المنافي.
هذه القوافل تحمل رسالة أبلغ من الكلمات، فهي تؤكد فشل كل المشاريع التي راهنت على إفراغ السودان من مواطنيه الأصليين، أو السعي إلى تغيير تركيبته السكانية والديمغرافية عبر الحرب والتهجير القسري. فالوطن الذي أنجب أبناءه سيظل قادراً على استدعائهم كلما لاحت بشائر الأمن والاستقرار.
ويستحق فريق لجنة الأمل كل التقدير لما بذله من تنظيم دقيق وإنساني جعل رحلة العودة أكثر يسراً وكرامة. ولم يكن المشهد الأجمل في وداع المسافرين هو الإجراءات التنظيمية وحدها، بل تلك اللفتة الإنسانية التي جسدها رئيس اللجنة، عندما اكتفى بتوزيع الحلوى الفاخرة والابتسامات الصادقة، وهو يردد دعاءه للعائدين: “تصلوا بالسلامة… وتعمروا الوطن.” كلمات بسيطة، لكنها حملت من المعاني ما يفوق كثيراً من الخطب والشعارات.
وفي السياق ذاته، وصف رئيس لجنة العودة للديار بديوان الزكاة، الدكتور الأمين علي عبد القادر، رحلات هذا الأسبوع بالمتميزة، لتزامنها مع الانتصارات الكبيرة التي حققتها القوات المسلحة بتحرير مدينة الكرمك الاستراتيجية بولاية النيل الأزرق، معتبراً أن هذه الانتصارات ستعزز رغبة السودانيين في العودة إلى ديارهم، وأن الديوان ماضٍ في تنفيذ خططه لتسيير المزيد من الرحلات، بما في ذلك رحلات من مدينة الإسكندرية عبر الحافلات والقطار خلال الفترة المقبلة.
إن إعادة بناء السودان لا تبدأ بالإسمنت والحديد، وإنما تبدأ بعودة الإنسان السوداني إلى أرضه، واستعادة ثقته في وطنه، وتكاتف مؤسساته الوطنية حول مشروع جامع عنوانه: العودة، والإعمار، وصناعة المستقبل. فحين تتحد الإرادة الشعبية مع المؤسسات الوطنية، يصبح الوطن أكبر من الحرب، وأقوى من كل محاولات اقتلاعه من قلوب أبنائه.





