راي

محاسن عثمان نصر تكتب .. سلام مشروط بكرامة الدولة لا أوهام الهدنة ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

 

في أزمنة الحروب، يصبح السلام أمنية يتطلع إليها الجميع، غير أن التجارب أثبتت أن الأمنيات وحدها لا تصنع الأوطان، وأن الهدنة ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة قد تقود إلى سلام حقيقي إذا أُحيطت بالضمانات اللازمة، وقد تتحول إلى محطة عابرة إذا أُسيء استغلالها.

واليوم، بينما تتحدث بعض وسائل الإعلام عن هدنة إنسانية وإتفاق مرتقب، يقف السودانيون أمام هذه التطورات بمزيج من الأمل والحذر؛ فالرغبة في إنهاء الحرب لا تعني تجاهل دروس الماضي، ولا إغفال التجارب التي استُغلت فيها بعض الهدن لتعزيز القدرات العسكرية للمليشيات وإطالة أمد الصراع. لذلك يظل أي حديث عن السلام مرتبطًا بضمانات حقيقية تبني الثقة ولا تعيد إنتاج أخطاء الأمس.

وفي خضم هذا الترقب، جاءت كلمة رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، أمام جموع المصلين عقب صلاة الجمعة أمس بمسجد ومسيد الشيخ الطيب بمنطقة أم مرحي شمال مدينة أم درمان، لتضع ملامح واضحة للموقف الرسمي، حين أكد أن القوات المسلحة ماضية في معركتها مستندة إلى التفاف الشعب السوداني حولها وقوة عزيمته وإرادته، مشددًا على أن الوطن لن يُسلَّم إلا عبر تراضٍ وطني بين السودانيين جميعًا.

وتحمل هذه الرسائل دلالة واضحة بأن السلام الحقيقي لا ينفصل عن حماية الدولة وصيانة سيادتها، وأن استقرار السودان لا يمكن أن يُبنى على تسويات هشة، بل على أسس تحفظ مؤسسات الدولة وتصون وحدتها، وتفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من البناء والتعافي. كما أكد رئيس مجلس السيادة أن ما يحقق تطلعات السودانيين ويحفظ أمنهم واستقرارهم هو المضي في هذا الطريق دون تراجع، مشددًا على التزام القوات المسلحة والقوات المساندة لها بمواصلة مسارها حتى تحقيق ما يصون كرامة الوطن ويحفظ مقدراته.

ولا يمكن الحديث عن مستقبل البلاد دون استحضار حجم التضحيات الجسيمة التي قُدمت خلال هذه الحرب؛ فقد دفع آلاف السودانيين أرواحهم دفاعًا عن وطنهم، وستظل تلك التضحيات حاضرة في ذاكرة الشعب باعتبارها جزءًا من أقسى المراحل التي مرت بها البلاد. غير أن الوفاء لهذه التضحيات لا يكون بإطالة أمد الحرب، بل بتحويل ما تحقق إلى فرصة لبناء سلام يحفظ سيادة السودان، ويعيد للمواطن أمنه، ويمهد لإعادة الإعمار. فالدولة القوية لا تقوم على القوة العسكرية وحدها، وإنما على مؤسسات راسخة، وعدالة نافذة، وتوافق وطني يجعل مصلحة السودان فوق كل اعتبار.

إن السودان اليوم أمام فرصة تستوجب أن تُدار بعقل الدولة وحكمة المسؤولية، لا بردود الأفعال؛ فالسلام الذي ينشده السودانيون ليس مجرد توقف لإطلاق النار، بل سلام يطوي صفحة الحرب دون أن يفتح الباب لتكرارها، ويحفظ كرامة الوطن، ويجعل من تضحيات أبنائه أساسًا للانطلاق نحو مستقبل أكثر استقرارًا ووحدةً وازدهارًا.

وفي مسار بناء الدولة واستعادة عافيتها، يبقى التعليم أحد أهم ميادين المعركة الوطنية، فولاية الجزيرة، بما تمثله من إرث علمي وثقافي ومكانة تعليمية راسخة، تحتاج إلى وقفة جادة لإعادة تقييم واقع التعليم بعد تداعيات الحرب. فإصلاح البيئة المدرسية، وتأهيل المؤسسات التعليمية، ودعم المعلمين، وضمان استقرار العام الدراسي، ليست قضايا خدمية فحسب، بل استثمار في مستقبل السودان وصناعة أجياله القادمة.

ويبقى معاش الناس هو المعيار الأكثر قربًا من نبض الشارع، فالسلام والاستقرار لا يكتملان إلا حين يشعر المواطن بتحسن حقيقي في تفاصيل حياته اليومية، من ضبط الأسواق ودعم الإنتاج إلى توفير الخدمات الأساسية، لأن كرامة الوطن تبدأ من كرامة الإنسان.

وهكذا، فإن الطريق إلى المستقبل لا يمر عبر هدنة مؤقتة أو حلول عابرة، بل عبر مشروع وطني متكامل يحفظ الدولة، ويعيد بناء مؤسساتها، ويصون حقوق مواطنيها، ويحوّل آلام الحرب إلى إرادة لإعمار السودان واستعادة مكانته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى