راي

(خمة نفس) ــ عبدالوهاب السنجك ــ “الغيبوبة” ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

 

هل نحن في غيبوبة، أم أدخلنا الغيبوبة داخل الغيبوبة؟!

سؤال لا يبدو غريبا في هذا الزمن العجيب، بل سؤال يومي نسأله ونحن نعبر الشارع، ونحن نقف في الصف، ونحن نحدّق في سقفٍ لا مروحة فيه.

زمنٌ عجيب، لا فكاك منه إلا بدخول القبر. زمنٌ كل شيء فيه يمشي بالمقلوب.

مياه النيل عكرانة، ونحن عكرانين، وزيتنا ذاتو طلع.

النيل الذي كان صافياً يغسل وجوهنا كل صباح، أصبح بلون أيامنا. نشرب العكر، ونستحم بالعكر، ونحلم حلماً عكراً، ثم نستيقظ لنجد أن الحلم كان أوضح من الواقع الذي نحن فيه.

نحن في غيبوبة جماعية. نصحى السادسة صباحاً، نلبس نفس الهمّ، نركب نفس الحافلة المكسّرة، نسمع نفس النشرة: الدولار طار، الشبكة طشّت، الكهرباء قطعت، الموية ما جات. نهز رؤوسنا كأننا فهمنا، ونمضي لأننا في غيببوبة.

المثقف في غيبوبة، يكتب ولا أحد يقرأ.
والموظف في غيبوبة، يذهب ولا مرتب هناك.
والطالب في غيبوبة، يحفظ منهجاً لن يمتحنه.
والتاجر في غيبوبة، يبيع بالخسارة ويضحك.

أدخلنا الغيبوبة داخل الغيبوبة حتى صارت هي الوطن.

صرنا نضحك على النكتة قبل أن تُقال، ونبكي قبل أن يقع الفأس على الرأس، ونصبر قبل أن يأتي البلاء، لأننا حفظنا السيناريو عن ظهر قلب.

يا سادة.. الغيبوبة ليست نوماً. الغيبوبة هي أن ترى كل شيء ينهار أمامك وأنت بكامل وعيك، لكنك لا تستطيع أن تمد يدك لاسناده.

نحن لسنا نياماً، نحن مستيقظون جداً، لدرجة الألم. وهذا هو الوجع الحقيقي.

فمتى نفيق؟! أم أن الاستيقاظ نفسه أصبح تهمة نحاسب عليها؟!

أطلق ضحكته، ثم استدار نحو النافذة قائلاً: إنهم هناك.. قد لا يعودون. لقد أصابتهم الغيبوبة منذ فترة، لا يعرفون أمس من غدٍ، ولا حتى ماذا أكلوا وشربوا.
لا علاج لهم، حتى لو كان الكي بالنار أو الحجامة.
إنهم في غيبوبة.. بل كلنا في غيبوبة لا نُحسد عليها.

(خمة نفس)
جيش واحد..
شعب واحد..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى