
على قول الراوي، أيام الجاهلية الأولى، قبل وبعد الاستقلال – وتلك قبل قوانين سبتمبر والحزبية التانية – قال:
كنت دائماً أفضل آخذ مجلسي على “بنبر” في نص مجلس القوم السكارى في الانداية، من غير ما أشاركهم القعدة.
أختّ لي قعدة متوسطة، هادئة، مرشوشة بالموية، قدامي قرعة مليانة مريسة مزبدة، وأكون منتظر الزبون الجاي من برا داقش. والزبون ده لازم يكون بمواصفات معينة.. جيبو منفوخ، وشكلو لهفان، وعايز عبار واحد بس، ما كتير.
أول ما يقع شوفي على واحد زي ده، أناديهو.. اتفضل يا زول، حرم تجي، أنا لي زمن ما شفتك! انت وين يا أخي والله مشتاقين، اتفضل اتفضل حرم.. كان تشرب العبار ده، الزولة دي عندها مريسة كاربة خالص!
يقعد المسكين.. كرضعة أولى.. ومسحة شنب.. كرضعة تانية.. وتالتة.. وأنا أقول للمرا: يا وليّة جيبي لينا صفيحة من جوا لي اخونا داا!
بس عليك الله من الخاص داك
وأكون أنا كرضعت لي أكتر من خمسة كواري “عبار” مجان، وصاحبنا تدور بيهو السكرة، وأخوكم يفكر في المخارجة. خطوة قدام وخطوتين ورا.. تلقاني ماشي سبعة تمانية في الشارع التاني، كرعيني ما قادرات يشيلني.. وكدا أخونا يكون دفع حق السكرة وانا كرضعت نص الصفيحة.
انتهت الرواية على قول الراوي.
لكن بصراحة.. ده الحاصل عندنا اليوم بالضبط.
نحن شربنا لمن شبعنا، لكن ما من المريسة.. شربنا من الهتافات.
كورة هتاف تجيب صفيحة عديييل.
شربنا من قبل الاستقلال وبعد الاستقلال، حكومة عبدالله خليل، وحكومة عبود والأزهري والصادق المهدي، لغاية ما وصلنا لحكومة نميري وقوانين سبتمبر.. حكومة البشير، شربنا تسقط بس،
شربنا “حرية سلام وعدالة”، وشربنا “حنبنيهو”، وشربنا “مدنية وعسكرية”، وشربنا “بل بس وجغم بس”، وشربنا “لا للحرب”.. شربنا وشربنا والسكرة لسه ما اتفكت.
كل مرة يجي زول بقرعة جديدة مليانة كلام معسول، ونحن نكرضع. كرضعة أولى نصدق، وكرضعة تانية نهتف، والتالتة نرقص. ورابعة نبكي.
وفي النهاية.. تدور بينا السكرة، ونلقى روحنا ماشين سبعة تمانية في الشارع التاني، وكرعينا ما قادرات تشيلنا، والبلد هي الواقعة ما قادرة تشيلنا.
صاحب المريسة زمان كان بغش زول واحد، هسع البغشونا كتار، وكلهم قاعدين على البنابر، ونحن البندفع حق الصفيحة.
والسكرة لسه شغالة.
فهل نفيق قبل ما الصفيحة تفضى، ولا نستنى لمن نلقى روحنا مرميين في نفس الشارع التاني؟!
كدي قولوا لينا عشان نفهم.. نحن ماشين على وين؟!
(خمة نفس)
جيش واحد.. شعب واحد..





