مرفأ الكلمات ــ عثمان عولي ــ عدوي وسرور.. دبلوماسية التحديات ومن الفسيخ شربات! ــ بعانخي برس
بعانخي برس

مائدة السفير عدوي علي شرف قرب تقلد السفير ياسر سرور مهام عمله بالخرطوم سفيرا لجمهورية مصر العربية عامرة بالرسائل، وبعضها الآخر تُقدَّم عليه السياسة في أطباق من الود، وتُدار حوله ملفات العلاقات والمصالح والتاريخ والجغرافيا، دون أن يفقد المجلس روحه الإنسانية.
وهكذا كانت مأدبة العشاء التي أقامها سفير السودان بالقاهرة، سعادة الفريق أول مهندس عماد الدين مصطفى عدوي، احتفاءً بالسفير المصري الجديد لدى السودان ياسر سرور، الذي يستعد لتسلم مهامه في الخرطوم خلفاً للسفير هاني صلاح.
ومن هنا تبدأ الحكاية…
عدوي وسرور ليسا مجرد سفيرين يلتقيان في مناسبة بروتوكولية، وإنما أمامهما مهمة أكبر من البروتوكول، وأثقل من الكلمات المنمقة؛ مهمة اسمها العلاقات السودانية المصرية في زمن التحديات.
فالسودان اليوم ليس هو السودان الذي كان قبل الحرب، ومصر ليست مجرد دولة جارة تتابع ما يحدث على حدودها. هناك شعب سوداني وجد في مصر وطناً دافئاً في لحظة قاسية، وهناك علاقات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وإعلامية تحتاج إلى من يحملها بعقل الدبلوماسي وقلب الأخ.
والسفير عدوي، وهو يستقبل السفير سرور، كان يدرك أن المناسبة ليست فقط لتقديم التهاني، وإنما لفتح صفحة جديدة عنوانها: كيف نجعل من التحديات جسراً لا جداراً؟
أعجبني في المناسبة أنها لم تكن محصورة في أهل الدبلوماسية وحدهم؛ فقد امتدت أياديها إلى الوزراء والمسؤولين ورجال الاقتصاد والتجارة والإعلام والفن ورموز المجتمع المدني السوداني والمصري.
وهنا تكمن قيمة المشهد.
فالعلاقات بين الشعوب لا تصنعها السفارات وحدها، وإن كانت السفارات رأس الرمح فيها، وإنما تصنعها أيضاً الأسواق والجامعات والإعلام والفنون والرياضة والمجتمع المدني والزيجات والمصاهرات ولقمة العيش المشتركة.
مصر والسودان لا يحتاجان إلى اختراع علاقات جديدة؛ فالعلاقة موجودة أصلاً في تفاصيل الحياة.
نحن فقط نحتاج إلى أن نحسن إدارتها.
وفي كلمته، كان السفير عدوي واضحاً وهو يشيد بمواقف مصر حكومة وشعباً وأجهزة تنفيذية، مؤكداً أن ما يجمع البلدين أكبر من العلاقات الرسمية.
وأحسب أن هذه الرسالة في غاية الأهمية، لأن الدبلوماسية في أوقات الأزمات لا تُقاس فقط بعدد البيانات الرسمية، وإنما بقدرتها على تحويل المواقف إلى أفعال، والصداقات إلى شراكات، والتحديات إلى فرص.
ولم ينسَ عدوي أن يرد الجميل للسفير المصري السابق هاني صلاح، الذي اختار أن يبقى في السودان ويواصل أداء مهامه في بورتسودان بعد اندلاع الحرب.
وهذا موقف يستحق أن يُذكر.
فالرجال تُعرف مواقفهم في الأوقات الصعبة، والدبلوماسي الحقيقي لا يكون حاضراً فقط عندما تكون الطرق معبدة والظروف هادئة، وإنما يظهر معدنه عندما تضيق المساحات وتتسع المسؤوليات.
ثم جاء ياسر سرور…
السفير الجديد لم يأتِ إلى السودان خالي الوفاض من التاريخ، بل يأتي إلى بلد يعرفه المصريون جيداً، ويعرف السودان مصر أكثر مما يمكن أن تختصره كتب العلاقات الدولية.
ومن الجميل أن يبدأ مهمته من القاهرة، وسط السودانيين والمصريين، وفي حضرة هذا الحشد الذي يضم ألواناً متعددة من المجتمعين.
سرور وضع يده على نقطة مهمة حين تحدث عن دور أهل السودان بمختلف فئاتهم في بناء جسور العلاقات المصرية السودانية.
وهذه في تقديري ليست مجاملة دبلوماسية، بل مفتاح من مفاتيح المرحلة القادمة.
فالسفير وحده لا يستطيع أن يصنع علاقة شعبين، والوزارة وحدها لا تستطيع، والسفارة وحدها لا تستطيع.
العلاقات الكبيرة تحتاج إلى أكتاف كثيرة.
تحتاج إلى رجل أعمال يعرف كيف يفتح باباً للاستثمار، وإعلامي يعرف كيف يكتب الصورة الصحيحة، وفنان يعرف كيف يغني للحب بين الشعبين، وأستاذ جامعي يفتح نافذة للعلم، وشاب سوداني ومصري يلتقيان في ملعب أو جامعة أو مساحة عمل، فيكتشفان أن ما يجمعهما أكثر بكثير مما يفرقهما.
ولذلك، فإن مهمة سرور في الخرطوم ليست سهلة، لكنها ليست مستحيلة.
بل ربما تكون الظروف الحالية، بكل قسوتها، فرصة لإعادة تعريف العلاقات السودانية المصرية على أساس أكثر واقعية وعمقاً.
نحن بحاجة إلى دبلوماسية تتجاوز المكاتب إلى الشارع، وتتجاوز الملفات إلى الإنسان، وتتجاوز المجاملات إلى المشاريع.
نريد قطارات تعاون اقتصادي، لا قطارات تصريحات.
نريد جسوراً تجارية، لا حواجز إجرائية.
نريد شراكات إعلامية وثقافية وفنية ورياضية.
نريد أن يصبح السودان ومصر سوقاً واحدة للأفكار والمشروعات والمنتجات، وأن تكون الحدود بين البلدين مساحة للعبور والتكامل، لا عنواناً للتعقيد.
وفي تلك الأمسية، كانت الموسيقى حاضرة، والغناء حاضراً، والكورال حاضراً، وكأن الفن جاء ليقول للسياسة: دعوني أذكّركم بأن الشعوب تعرف بعضها قبل أن تعرف الحكومات بعضها.
وهنا أصل إلى عنواني:
«ومن الفسيخ شربات»!
قد يبدو العنوان لأول وهلة ساخراً، لكنه في الحقيقة يحمل شيئاً من روحنا السودانية والمصرية معاً؛ روح الإنسان الذي يستطيع أن يصنع من الصعب ممكناً، ومن الأزمة فرصة، ومن المرارة أملاً.
فإذا كانت التحديات أمام عدوي وسرور كثيرة، فإن المطلوب ليس تعدادها، وإنما البحث عن كيفية تحويلها إلى شربات!
وهذا لن يحدث بالشعارات.
يحدث عندما تتحول النوايا إلى برامج، والكلمات إلى مشاريع، والاتفاقيات إلى نتائج، والزيارات إلى قرارات، والصداقات إلى شراكات مستدامة.
عدوي وسرور أمام اختبار دبلوماسي حقيقي.
اختبار يحتاج إلى شجاعة في التفكير، ومرونة في الحركة، وصدق في النوايا، وإيمان بأن السودان ومصر ليسا دولتين متجاورتين فحسب، بل شعبان تشابكت بينهما الأنهار والأنساب والتاريخ والثقافة والمصالح.
وأجمل ما في الأمر أن البداية جاءت من مائدة عشاء.
لكنني أرى خلف تلك المائدة مائدة أكبر بكثير…
مائدة السودان ومصر، التي ينبغي أن يجلس إليها الجميع، وأن يكون على طبقها المستقبل.
فمرحباً بالسفير ياسر سرور في السودان…
وكل الأمنيات بأن يكون القادم أجمل.
أما السفير عدوي، فقد قال كلمته بالفعل، ومد يده.
والآن…
ليضع سرور يده في يد عدوي، ولنمضِ معاً نحو علاقات سودانية مصرية تجعل من الفسيخ شربات!





