
نعيَ الناعي لنا خبراً أفقدنا القدرة على الكتابة، وأربك الحروف، وأثقل الكلمات حتى عجزت أن تجد طريقها إلى الورق. كيف أكتب عن إبراهيم بختان، والجرح ما زال ينزف، والقلب تعصره مرارة الفقد، والعين لا تجد ما تفعله سوى البكاء؟
لأول مرة أشعر أن الحزن يمكن أن يبلغ بالإنسان مبلغاً يظن معه أنه سيموت من شدة الوجع، وأنا أودع واحداً من أنبل الرجال الذين عرفتهم في مسيرتي داخل حوش تلفزيون السودان؛ المهندس والأخ والصديق إبراهيم بختان، الذي رحل عنا بجسده، لكنه ترك بيننا سيرة عطرة وذكريات لا تموت.
التقيت إبراهيم في بدايات عمله بتلفزيون السودان. كان مهندساً راقياً، هادئاً، جميلاً في أسلوبه، سلساً في تعامله، صاحب خلق رفيع وحضور محبب. وكان يجمعني به وبالمهندس عبدالمنعم وعلي الكديو، والمرحوم بإذن الله الصادق خالد، لقاءات يومية في أروقة التلفزيون، ما بين غرفة البث والملعب، حيث كنت أكون في وردية الافتتاح.
كانت بيننا مداعبات جميلة لا تزال تفاصيلها حاضرة في الذاكرة. كنت أناديه مازحاً بـ”عصابة الكديو”، وفي أيام الشتاء، ونحن تحت أجهزة التكييف، كنت أسألهم أن يخفضوا درجة التكييف، فيضحك إبراهيم ويقول: “التكييف للأجهزة.. إنتو البسوا تقيل!”
هكذا كان إبراهيم… يصنع من أبسط المواقف لحظة للضحك، ومن ساعات العمل الطويلة مساحة للألفة والمحبة.
ومرت السنوات، وغادرت التلفزيون في فترات، ثم عدت، وتباعدت المسافات أحياناً، لكن التواصل لم ينقطع. كانت تجمعنا مناسبات العمل، والأفراح، والأتراح، والزيارات، والمواقف التي لا تصنعها المهنة وحدها، وإنما تصنعها الأخوة الإنسانية الصادقة.
ولا أنسى مشاركته لي في سماية ابنتي البكر بالثورة، الحارة العاشرة، وكان برفقته عدد من المهندسين. وأذكر جيداً مداعبة المرحوم الأستاذ عباس عبدالله، مدير البرنامج الثاني، عندما قال مازحاً إن المهندسين يجب أن يتم فصلهم عن البرنامجين، كل واحد منهم في سفره على حدة، لأن “أبو العروس” برامجياً قد أصبح أمام ضيوف من مقام خاص يستحقون الإكرام.
ضحك الجميع يومها، وبقيت الضحكة في الذاكرة شاهدة على أيام جميلة كان فيها حوش التلفزيون بيتاً يجمعنا، قبل أن تشتت الحرب الناس والأحلام والأماكن.
ثم جاءت الحرب، وتفرقت بنا السبل.
التقيت إبراهيم في بورتسودان، ثم شاءت الظروف أن ألتقيه في سفارة السودان بالقاهرة بعد الحرب. ولم أكن أعلم وقتها أنه جاء إلى القاهرة مستشفياً. وفي اليوم التالي التقيت المهندس والصديق نابغ، والأستاذ المخرج سيف الدين حسن، والأستاذ محمد خير عمر، وكنت منشغلاً بمتابعة أمر نقل ابني للدراسة بعد الحرب، فعلمت منهم أن بختان حضر إلى القاهرة للعلاج.
ويا لحسرتي… لم أستطع التواصل معه حينها كما كنت أتمنى.
لكن الله منحني فرصة أخرى، كانت من أجمل اللقاءات وأشدها إيلاماً الآن.
كنت أغادر القاهرة إلى بورتسودان على متن الخطوط الجوية السودانية، فإذا بي ألتقي المرحوم إبراهيم بختان.
كانت سعادتي كبيرة برفقته، ولم أكن أعرف أن تلك الرحلة ستكون واحدة من آخر الذكريات التي سأحملها عنه.
وعند وصولنا إلى بورتسودان، كان في انتظار المهندس إبراهيم الحبيب يحي من تلفزيون السودان. سعدت كثيراً بلقاء يحي بعد سنوات من الانقطاع، وكان إبراهيم ويحي يدعوانني لأن أصطحبهما إلى المدينة، فاعتذرت منهما لأن هناك من ينتظرني، وقلت لهما: “نلتقي بإذن الله.”
وفي اليوم التالي، التقيت إبراهيم في صلاة العصر داخل تلفزيون السودان ببورتسودان، حيث كان التلفزيون يبث إرساله من داخل الحوش.
بعد الصلاة جلسنا نتجاذب أطراف الحديث، وكان برفقتنا رفيق دربه المهندس محمد محجوب، وبدر الدين برشل، والفاتح آدم.
كان لقاءً جميلاً، امتلأ بالذكريات والحنين إلى أم درمان، وإلى ذلك المكان الذي ظل يسكن وجداننا جميعاً: حوش التلفزيون الكبير.
كنا نحلم بالعودة إليه، ونذكره كما لو أننا نتحدث عن بيتنا الأول، المكان الذي جمعنا يوماً على المحبة والعمل والانتماء.
ثم عدت إلى القاهرة، وتنقلت بين أم درمان ومدني وبورتسودان، ولم ألتق إبراهيم خلال تلك الفترة.
وقبل أسابيع قليلة فقط، تواصلت معه، وكان ينوي العودة إلى القاهرة. أخبرني عن أعمال مهمة يريد إنجازها أولاً، ثم يأتي إلى القاهرة.
واليوم، وأنا أستعيد تلك الكلمات، أدرك أن المهمة التي كان يحملها إبراهيم في قلبه كانت أكبر من مجرد مهمة فنية.
كان يريد أن يعيد البث وأجهزة التلفزيون إلى حوش تلفزيون السودان في أم درمان.
كان يريد أن يعيد الروح إلى المكان.
كان يريد أن يعيد أصوات زملائه ورفاق دربه إلى ذلك الحوش الكبير، وأن يجعل الشاشة السودانية تعود إلى بيتها، إلى المكان الذي انطلقت منه أحلام أجيال من الإعلاميين والفنيين والمهندسين.
وكأن إبراهيم أراد أن يكون آخر أعماله عملاً جليلاً يليق بسيرته: أن يعيد روح إخوانه وزملائه إلى منبع روحهم وفؤادهم… حوش تلفزيون السودان في أم درمان.
لكن الموت كان أسرع.
سبحان الله… حتى في رحيله ترك لنا درساً في الوفاء.
رحل إبراهيم، وبقي مشروع العودة شاهداً على أن الرجل ظل يحمل التلفزيون في قلبه حتى آخر لحظة، وأن علاقته بالمكان لم تكن وظيفة يؤديها وينصرف منها، وإنما كانت انتماءً وذاكرةً ورسالة.
بكى الجميع إبراهيم، ونعاه كل من عرفه.
كتب عنه الذين عرفوا دماثة خلقه، وحسن معشره، وكريم أخلاقه، وتدينه، وأمانته، وتفانيه في العمل.
كتبوا عنه حتى ظننت أنهم تركوا لنا القليل لنقوله، لأن الذين عاشوا معه يعرفون أن إبراهيم أكبر من أن تختصره الكلمات.
لكننا، في لحظة الفقد، لا نملك إلا أن نكتب ما يمليه علينا القلب.
نعزي أنفسنا أولاً، ونعزي أسرته الصغيرة والكبيرة، وأهله ورفاقه وزملاءه وأصدقاءه وكل من عرف إبراهيم بختان وأحبه.
نعزي أسرة تلفزيون السودان، ذلك الحوش الذي أحبه إبراهيم حتى آخر أيامه، ونعزي كل المهندسين والفنيين والإعلاميين الذين فقدوا واحداً من أهل المهنة الذين تركوا أثراً طيباً لا يمحوه الغياب.
اللهم إن إبراهيم بختان قد جاءك ضيفاً، وأنت أكرم من يُكرم الضيوف.
اللهم ارحمه رحمة واسعة، واغفر له، وتجاوز عن تقصيره، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واجعل قبره روضة من رياض الجنة.
اللهم اجعل ما قدمه في حياته من عمل وخدمة ووفاء في ميزان حسناته، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في أهله وأحبته بخير.
اللهم اجمعه مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً، واشفع فيه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
أما نحن، فسنبقى نذكر إبراهيم كلما مررنا بحوش التلفزيون، وكلما اشتغل جهاز بث، وكلما عادت إلى ذاكرتنا تلك الأيام الجميلة التي جمعتنا.
سيبقى إبراهيم بختان حاضراً في تفاصيل المكان، في ضحكات المهندسين، في أحاديث غرفة البث، وفي حنيننا إلى أم درمان.
رحل الرجل، لكن أثره باقٍ.
ورحل الجسد، لكن الذكرى ستظل بيننا.
وإذا كان إبراهيم قد غاب عن أعيننا، فإن أجمل ما يمكن أن نهديه إليه هو أن يتحقق حلمه، وأن يعود تلفزيون السودان إلى حوشه الكبير، وأن تعود الشاشة إلى أهلها، وأن يعود البث حاملاً أصوات الذين أحبوا هذا الوطن وهذا الجهاز.
رحم الله إبراهيم بختان… أحد أبناء تلفزيون السودان، وأحد أبطال معركة الكرامة، والرجل الذي ظل يحمل وطنه ومهنته ورفاقه في قلبه حتى آخر نبضة.
إلى جنات الخلد يا إبراهيم…
وإلى أن نلتقي، سيظل بيننا ذلك الحوش الكبير، وتلك الذكريات الجميلة، وتلك الضحكة التي لن يمحوها الموت.
إنا لله وإنا إليه راجعون.





