
أخذ معطفه البالي.
حشر قدميه في نعليه اللذين أكل الدهر عليهما وشرب.
ومسح على شاربه الكث الذي شاب قبل أوانه.
لم يكن يدري إلى أين يذهب.
كل ما هنالك أنه اتخذ قراراً لا رجعة فيه:
أن يخرج من هذا الوضع.
السياسة ضربته ضرباً مبرحاً.
كادت أن تسلب لبه.
غير أنه ظل صامداً.
كلما دخل عليه الجند وجدوه كما هو…
جالساً، ظهره إلى الحائط، وعيناه تنظران إلى الأمام بثبات.
.. سنوات بين الحوائط والسقف المتصدع وأصوات سلاسل الزنزانة وأقدام الحراس.
.. عاش “هو ذاك” ردحاً من الزمن ما بين أربع حوائط.
حوائط رطبة شهدت على صبره وقوة عزيمته ورجاحة عقله.
.. حوائط سمعت دعاءه في الأسحار.
حوائط حفظت أسماء من سبقوه.. وهنالك من نقش اسمه على الجدران وغادر المكان أن كان حيا أو ميتا.
“هو ذاك” .. نام على الأسمنت فاعتاده.
وجاع فتحول الجوع إلى إرادة وعزيمة
.. عرضت عليه مساومات الدنيا فأعرض عنها.
قالوا له: “تنازل” فصمت.
قالوا له: “بع المبادى” فابتسم.
قالوا له: “انكسر” فازداد صلابة وقوة.
… الخروج بلا عودة
واليوم خرج.
بنفس الهيئة.
بنفس المعطف.
ولكن بعزة لم تنقصها الأيام.
خرج دون رجعة…
لا رجعة للخوف.
لا رجعة للذل.
لا رجعة لمن راهنوا على كسره إذلالا .
ترك الزنازين خلفه، لكنها لم تتركه.
تركت في وجهه تجاعيد الحكمة،
وفي عينيه سؤالاً كبيراً معلقاً في فضاء الوطن.
“هو ذاك” ليس اسم شخص بعينه بل هو قال كلمته ولم يرتجف ولم يسقط.
“هو ذاك” هو كل من دفع ثمن موقفه.
هو كل من اختار الكرامة على السلامة.
هو كل من علم في مدرسة المحن أن الحرية تنتزع ولا تمنح مثل جواز سفر أو بطاقة مرور.
“هو ذاك”
التحية للصامدين…
فالتاريخ لا يكتبه الجلادون،
يكتبه أمثال “هو ذاك”… وكفى..
(خمة نفس)
جيش واحد.. شعب واحد.





