راي

ميادة ابراهيم بابكر تكتب ..من رفاعة إلى ذاكرة السودان.. وداعًا نفيسة المليك رائدة التعليم والعمل العام الأستاذة نفيسة أبو بكر المليك (١٩٣٢م – ٢٠٢٦م) ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

ميادة إبراهيم بابكر
انطوت برحيل الأستاذة نفيسة أبو بكر المليك صفحةٌ مضيئة من تاريخ السودان، وغابت واحدةٌ من القامات التربوية والوطنية والاجتماعية والثقافية التي كرّست حياتها للتعليم وخدمة المجتمع والنهوض بالمرأة السودانية.
من مدينة رفاعة، حيث وُلدت الحكاية الأولى، بدأت مسيرة امرأةٍ لم يكن اسمها ليبقى حبيس مدينة أو أسرة، وإنما امتد أثرها إلى فضاءات السودان، ليصبح جزءًا من ذاكرة التعليم والعمل العام والحركة النسائية.
غيب الموت نفيسة المليك في مدينة عجمان بدولة الإمارات العربية المتحدة، بعد أربعة وتسعين عامًا من الحياة الحافلة بالعطاء، تاركةً وراءها إرثًا تربويًا وإنسانيًا وفكريًا، وأجيالًا من المعلمات والطالبات، وذاكرةً لا تزال تحفظ لاسمها مكانته بين رائدات السودان.
﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
رفاعة.. مهد الميلاد وبداية الرسالة
وُلدت نفيسة أبو بكر المليك بمدينة رفاعة بولاية الجزيرة عام ١٩٣٢م، في أسرةٍ عُرفت بتقديرها للعلم وارتباطها بالتعليم وخدمة المجتمع.
وكان والدها الشيخ أبو بكر المليك مؤمنًا بأن تعليم الفتيات أساسٌ لنهضة المجتمع، فوجدت نفيسة في بيتها الأول بيئةً جعلت من العلم قيمة، ومن التعليم رسالة، ومن خدمة الناس واجبًا.
تنقلت في مراحل تعليمها الأولى بين رفاعة وبورتسودان والخرطوم بحري، تبعًا لظروف عمل والدها، ثم أكملت المرحلة الوسطى بمدرسة أم درمان الوسطى للبنات، قبل أن تلتحق بكلية المعلمات.
وكانت رفاعة بالنسبة إليها أكثر من مسقط رأس؛ كانت المهد الذي تشكل فيه وعيها، ومنها خرجت تحمل إرث أسرتها ورسالةً ستلازمها طوال حياتها.
معلمة في الرابعة عشرة.. حين بدأ العطاء مبكرًا
بدأت نفيسة المليك ممارسة التعليم وهي في الرابعة عشرة من عمرها، ففي عام ١٩٤٦م عملت في مدارس محو الأمية، وكانت من أصغر المعلمات سنًا في ذلك الوقت.
وفي تلك السن المبكرة، اختارت أن تكون جزءًا من معركةٍ أخرى غير معارك السلاح؛ معركة الجهل، فحملت القلم إلى جانب النساء والأجيال التي حُرمت من التعليم.
ومن خلال رابطة المرأة الثقافية، شاركت في نشاط تعليمي واجتماعي تطوعي، في وقتٍ كانت فيه مثل هذه المبادرات جزءًا من الحراك الوطني المناهض للاستعمار.
ولم يكن صغر سنها حاجزًا أمام رسالتها؛ فقد كانت تحمل من الوعي والإيمان بقيمة التعليم ما جعلها تبدأ مسيرتها في وقتٍ كان فيه كثيرون لا يزالون يرون تعليم المرأة أمرًا ثانويًا.
من كلية المعلمات إلى رحاب المعرفة
واصلت نفيسة المليك تأهيلها العلمي، فالتحقت عام ١٩٤٧م بدورة تأهيلية بكلية المعلمات للعمل في المدارس الوسطى، ثم واصلت مسيرتها في التدريس والتربية والتدريب.
عملت بكلية المعلمات بأم درمان، وأسهمت في إعداد أجيال من المعلمات اللاتي حملن رسالة التعليم إلى مختلف أنحاء السودان.
لكن رحلتها العلمية لم تتوقف عند حدود التعليم التقليدي؛ فقد ظلت مؤمنة بأن المعلم نفسه يجب أن يظل تلميذًا للمعرفة.
وفي عام ١٩٩٨م، وهي في الثامنة والستين من عمرها، نالت درجة الماجستير من جامعة مانشستر ببريطانيا.
وكان في هذه الخطوة درسٌ بليغ من دروس حياتها: أن العمر لا ينبغي أن يكون حدًا أمام المعرفة، وأن شغف الإنسان بالعلم يمكن أن يبقى حيًا ما بقي في القلب متسعٌ للحلم والعطاء.
لقد كانت سيرتها تقول، بالفعل قبل أن تقولها بالكلمات، إن التعلم رحلة لا تنتهي بانتهاء سنوات الشباب.
مدارس المليك.. امتداد إرث الأسرة
تولت نفيسة المليك إدارة مدارس المليك الأهلية التي أسسها والدها الشيخ أبو بكر المليك، مواصلةً بذلك إرث الأسرة في مجال تعليم البنات.
ولم تكن إدارة المدارس بالنسبة إليها مجرد مهمة إدارية، بل كانت امتدادًا لمشروع تربوي آمنت به منذ طفولتها.
فقد رأت أن المدرسة ليست جدرانًا ومقاعد وكتبًا فحسب، وإنما مصنعٌ للوعي، ومكانٌ تتشكل فيه شخصية الإنسان، وتُبنى فيه ملامح المجتمع القادم.
ومن خلال مدارس المليك، واصلت أداء رسالتها، وأسهمت في إعداد أجيال من الطالبات والمعلمات، لتبقى المدرسة جزءًا من إرثها، كما بقي اسمها جزءًا من تاريخها.
تعليم المرأة.. قضية وطن ورسالة حياة
ارتبطت تجربة نفيسة المليك بمشروع الشيخ بابكر بدري الرائد في تعليم البنات، وآمنت بأن تعليم المرأة ليس ترفًا اجتماعيًا، وإنما ضرورة وطنية.
كانت ترى أن تعليم الفتاة لا يغيّر حياتها وحدها؛ بل يغير الأسرة التي ستنشئها، والأبناء الذين سترعاهم، والمجتمع الذي ستشارك في بنائه.
وكانت عبارتها التي اختصرت رؤيتها للتعليم:
«التعلم هو مفتاح الحياة».
لم تكن هذه العبارة مجرد شعار، بل كانت خلاصة تجربة امرأة قضت عمرها وهي تفتح أبواب المعرفة أمام الآخرين.
رائدة في اتحاد المعلمات
لم تقف نفيسة المليك عند حدود الفصل الدراسي، بل امتدت رسالتها إلى الدفاع عن حقوق المعلمات وتعزيز مكانتهن.
كانت عضوًا مؤسسًا لـ اتحاد المعلمات، الذي تحول لاحقًا إلى نقابة، وتولت رئاسته خلال الفترة من ١٩٥٠م إلى ١٩٥٣م.
ودافعت عن حقوق المعلمات وكرامتهن، انطلاقًا من إيمانها بأن المعلمة ليست موظفة تؤدي واجبًا فحسب، وإنما صاحبة رسالة تشارك في صناعة العقول وبناء الأجيال.
نفيسة المليك والحركة النسائية السودانية
كانت من مؤسسات الاتحاد النسائي السوداني عام ١٩٥٢م، وتولت رئاسته خلال دورتين متتاليتين من ١٩٥٣م إلى ١٩٥٥م.
وكانت من الأصوات النسائية المبكرة التي طالبت بفتح المجال أمام المرأة للمشاركة في الحياة العامة، وإتاحة فرص التعليم والعمل لها.
وكتبت مقالها الشهير «أما آن لنا أن نستيقظ»، الذي عبّر عن وعي مبكر بقضايا المرأة والمجتمع، وكان له أثر في بلورة فكرة الاتحاد النسائي.
كما كانت عضوًا مؤسسًا وممولةً لمجلة «صوت المرأة»، وأسهمت في التخطيط لها وتحريرها، وإعداد مواد ركن الاتحاد النسائي بالإذاعة، إلى جانب دورها في إنشاء مدارس الاتحاد النسائي.
كانت تؤمن بأن المرأة التي تتعلم لا تفتح بابًا لنفسها وحدها، وإنما تفتح الطريق أمام أجيال تأتي بعدها.
حضور في العمل الوطني والسياسي
لم تكن نفيسة المليك بعيدةً عن القضايا الوطنية، فقد امتد نشاطها إلى المجال السياسي والعام.
ونُسب إليها طرح فكرة رفع مذكرة سياسية للمسؤولين تطالب بإلغاء حالة الطوارئ والمادة (١٠٥) من قانون العقوبات السوداني.
وعقب انقلاب الفريق إبراهيم عبود، رفضت الانضمام إلى هيئة نساء السودان عام ١٩٦١م.
وبعد ثورة مايو عام ١٩٦٩م، عُينت عضوًا في لجنة الميثاق الوطني، كما عُينت عضوًا بمجلس إدارة مؤسسة مايو التجارية.
وهكذا كانت المرأة التي بدأت حياتها في الفصل الدراسي حاضرةً أيضًا في قضايا المجتمع والوطن، مؤمنةً بأن التعليم لا ينفصل عن المسؤولية العامة.
العمل الاجتماعي والتمكين الاقتصادي للمرأة
امتد اهتمامها إلى الجانب الاجتماعي والتعاوني، وكانت من أوائل من طرحوا فكرة تكوين التنظيمات التعاونية للنساء وجمعيات ربات البيوت عام ١٩٦١م.
وعقب ثورة أكتوبر ١٩٦٤م، وحتى عام ١٩٦٦م، أسهمت في تأسيس جمعية مسجلة، وإنشاء مشغل تعاوني للأشغال اليدوية، دعمًا للمرأة وتمكينًا لها اقتصاديًا واجتماعيًا.
كانت ترى أن تمكين المرأة لا يكتمل بالتعليم وحده، وإنما يحتاج كذلك إلى فرصةٍ للعمل والإنتاج والمشاركة في الحياة العامة.
القلم الذي حفظ ذاكرة المرأة السودانية
لم تكن نفيسة المليك معلمةً وإداريةً وناشطةً اجتماعية فحسب، وإنما كانت صاحبة قلمٍ وثّق جانبًا مهمًا من تاريخ الحركة النسائية السودانية.
وألّفت أربعة كتب:
«ملامح عن الحركة النسائية في السودان».
«الحركة النسائية عبر نصف قرن من الزمان».
«شموع أضاءت ثم انطفأت».
«أحزان الخريف».
وبهذه المؤلفات، لم تكتفِ بأن تكون شاهدًا على التاريخ، وإنما أصبحت واحدةً ممن حفظوا ذاكرته وتركوا للأجيال مادةً تستحق القراءة والتأمل.
تكريم يليق بمسيرة العطاء
في عام ٢٠٠١م، منحتها جامعة الأحفاد للبنات درجة الدكتوراه الفخرية، تقديرًا لإسهاماتها الوطنية والتربوية ودورها في خدمة التعليم وقضايا المرأة.
وكان ذلك التكريم اعترافًا بمسيرة لم تُبنَ على منصبٍ واحد أو تجربةٍ عابرة، وإنما على عقود طويلة من العمل والعطاء.
رفاعة.. مدينة أنجبت نفائسها
ظل اسم نفيسة المليك مرتبطًا بمدينة رفاعة، وظلت المدينة حاضرةً في وجدانها وسيرتها.
وقد قال نقيب المحامين الراحل الأستاذ ميرغني النصري في حق رفاعة:
«رفاعة يكفيها فخرًا أنها أهدت السودان ثلاث نفائس من بناتها»،
وذكر من بينهن نفيسة عوض الكريم، ونفيسة أبوزيد، ونفيسة المليك.
ولعل هذه الشهادة تختصر جانبًا من مكانة رفاعة، المدينة التي لم تكن مجرد مسقط رأس، وإنما بيئةً أنجبت نساءً حملن العلم إلى المجتمع، وحملن قضايا الناس إلى ساحات العمل العام.
«التعلم هو مفتاح الحياة».. فلسفة عمر
في حوارها مع مجلة «النصف الواعد» عام ٢٠٠٧م، قالت نفيسة المليك:
«التعلم هو مفتاح الحياة».
وحين سُئلت عن مدى رضاها عن الوضع التعليمي آنذاك، أجابت:
«لا، لا، لا».
ثلاث كلمات قصيرة، لكنها تحمل موقفًا كاملًا.
فمن عاش عمره في محراب التعليم، يعرف أن تراجع التعليم ليس مجرد خلل في المناهج أو المدارس، وإنما خسارة في مستقبل الأجيال.
وكانت نفيسة المليك من ذلك الجيل الذي لم يتصالح مع النقص، ولم يرَ في التعليم قضيةً يمكن تأجيلها، بل ظل يرى فيه أساسًا لنهضة الوطن.
رحلت نفيسة.. وبقي الأثر
رحلت نفيسة المليك، لكن الذين عاشوا للناس لا تنتهي حكاياتهم عند الموت.
تبقى المعلمة في تلاميذها، والمربية في سلوك من علمتهم، والكاتبة في صفحات كتبها، والرائدة في المؤسسات التي أسهمت في بنائها، والمرأة الوطنية في ذاكرة وطنها.
لقد امتدت حياتها أربعة وتسعين عامًا، لكنها لم تكن مجرد سنواتٍ متعاقبة؛ كانت رحلةً من التعليم إلى التعليم، ومن الفصل الدراسي إلى العمل العام، ومن رفاعة إلى رحاب السودان، ومن القلم إلى ذاكرة الأجيال.
وإذا كان الرحيل يطوي صفحة العمر، فإنه لا يطوي سيرةً صنعت أثرًا في حياة الآخرين.
قد يغيب صاحب الأثر، لكن أثره لا يغيب؛ فالأرواح تمضي، وما زرعته من نورٍ في حياة الآخرين يظل شاهدًا عليها، حيًّا ما بقي للإنسان ذاكرة وللوطن أجيال.
ستظل نفيسة المليك واحدةً من النساء اللاتي تركن نورًا في الطريق؛ نور المعلمة التي آمنت بأن العلم حياة، والرائدة التي آمنت بأن المرأة شريكٌ في بناء الوطن، والإنسانة التي اختارت أن تمنح عمرها للآخرين.
وداعًا نفيسة المليك
وداعًا يا ابنة رفاعة، يا معلمة الأجيال، ويا واحدةً من نساء السودان اللاتي كتبن أسماءهن في سجل العطاء.
وداعًا لمن بدأت التدريس وهي في الرابعة عشرة، وظلت تلميذةً للعلم حتى الثامنة والستين، حين مضت إلى جامعة مانشستر لتحصل على درجة الماجستير، لتؤكد أن العمر لا يُقاس بعدد السنوات، وإنما بما يملؤه الإنسان من معرفة وعطاء.
سلامٌ على روحكِ يا نفيسة المليك، وعلى رحلةٍ طويلة أضأتِ فيها دروبًا كثيرة.
سلامٌ على يديكِ اللتين حملتا القلم، وعلى قلبكِ الذي حمل همَّ التعليم، وعلى ذاكرة رفاعة التي ستظل تحفظ اسمكِ بين بناتها.
اللهم ارحم نفيسة أبو بكر المليك رحمةً واسعة، واغفر لها، وأكرم نُزلها، ونوّر قبرها، واجعل ما قدمته من علمٍ وتربيةٍ وعطاءٍ في ميزان حسناتها.
اللهم اجزها عن كل طالبةٍ علمتها، وكل معلمةٍ أسهمت في إعدادها، وكل امرأةٍ دافعت عن حقها، وكل أثرٍ طيب تركته في هذه الحياة خير الجزاء.
وألهم أهلها وذويها ومحبيها الصبر وحسن العزاء.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
رحم الله نفيسة المليك، وأسكنها فسيح جناته، وجعل سيرتها نورًا في ذاكرة رفاعة والجزيرة والسودان، وأبقى أثرها شاهدًا على أن أجمل ما يتركه الإنسان بعد رحيله هو عقلٌ أناره، وإنسانٌ علّمه، وحياةٌ جعلها أكثر إشراقًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى