
مفهوم الحرب بكل أشكالها بغيض، وإن كانت تحمل بين طياتها معاني السلام والأمان والاطمئنان؛ لأن التعود على ديمومة الأمان والرخاء يبعد الإنسان من التدبر في قيمة الوجود والحياة، لذلك أوجد الله المحن والابتلاءات بمثابة صعقة تعيد للإنسان التوازن الفكري والتدبر فيما حوله من نعم.
وأشكال الحرب كثيرة، فنحن نعيش في حياتنا اليومية عددًا من المعارك الحربية في داخلنا وحولنا، وكل انتصار هو راحة نفسية ودفعة معنوية للبقاء والعطاء. تغلبك على التعب انتصار مع حرب الجسد الذي يريد الاسترخاء مع استمرار العناء لكسب الرزق، والعناء مع متابعة التعليم في مراحله المختلفة، حتى أطفالنا أصبحوا في حالة حرب مع النهوض صباحًا للمدارس، والكبار في حالة حرب. الآباء والأمهات في حالة حرب مع الأبناء للذهاب إلى المدارس والجامعات، وفي حالة حرب مع الزمن وإيقاعه السريع الذي ربما لا يستطيع الكثيرون منهم متابعته وتطويعه حسب إمكانياتهم الحسية والمعنوية وضغوط الحياة.
فالجميع في حالة حرب مع أبسط التفاصيل في حياته اليومية، من لحظة استيقاظه حتى لحظة خلوده للنوم، وربما حتى مع النوم، وشريط التفاصيل ليوم جديد يكون في حالة حرب، ولا بد أن يُحسم الأمر بسلام لينعم بالاطمئنان وديمومة الحياة..
هذه هي الحرب اليومية، وهي حرب صديقة؛ لأنها بدون خسائر، أو لأن الإنسان يملك تحديد نسبة الخسائر بقدرته على وقف الصراع الداخلي لعقله وقلبه والتفاصيل حوله بكلمة أو فعل، أو تجاوز للأمر، أو السرعة في اتخاذ القرار والحسم.
ولكن الحرب الحقيقية التي عشناها في الثلاثة سنوات الماضية أصابتنا بالألم والوجع والضياع، وفقد الأعزاء، وفقد بوصلة اتجاهاتنا النفسية والفكرية في كثير من الأحيان، أصابتنا بالخذلان والتيه والوهن الوجداني، والتعري من القيم والمبادئ والأخلاق. كيف لا ونحن نستبيح حقوق الجيران وأمانة من فرّق شمله الزمان؟
ولكن بالرغم من ألم الحرب تعلمنا، نعم تعلمنا الكثير؛ لأن درس الحرب تحديدًا لا يمكن تكراره، والله لا أعاده.
تعلمنا أن المعدن الأصيل يظهر في الحرب.
أن السند الحقيقي يسند في الحرب، وليس بالضرورة أن يكون سندًا ماديًا، بل أكثر ما كنا نحتاجه هو السند المعنوي، والذي كان لنا سندًا معنويًا هو الوفي دون منافس.
والذي كان لنا الاحتواء والستر والغطاء هو الأصيل دون منافس.
والذي كان لنا الدواء والطبيب للشفاء هو الملاذ دون منافس.
والذي كان لنا العقل عندما فقدنا عقلنا، وكان لنا التحمل عندما فقدنا صبرنا، وكان لنا القوة عند ضعفنا، هو الذي سنكمل معه المشوار دون منافس.
في الحرب تألمنا، ولكن تعلمنا: لا شيء يدوم.
فبعد العسر يسر،
وبعد الشدة رخاء،
وبعد الخوف أمان،
وبعد الترحال استقرار وتطور ونماء.




