
في الذكرى الثانية والسبعين لعيد القوات المسلحة السودانية، نقف اليوم أمام واحدة من أعظم المؤسسات الوطنية التي ارتبط اسمها بتاريخ السودان، وأمام جيشٍ ظل، رغم تعاقب الأزمات وتبدّل الظروف، عنواناً للسيادة وحارساً لتراب الوطن وصمّام أمانه.
لم تكن الحرب التي اندلعت في الخامس عشر من أبريل 2023 مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل كشفت بوضوح حجم التعقيدات والمخططات التي استهدفت الدولة السودانية ووحدتها واستقرارها. وأثبتت الأحداث أن السودان كان أمام معركة تتجاوز حدود الميدان العسكري إلى صراع على إرادة الدولة، ووحدتها، وقرارها، وثرواتها ومستقبلها.
وفي قلب هذه المعركة وقفت القوات المسلحة السودانية.
جيشٌ واجه المحن، وصمد في أصعب الظروف، وخاض معارك شرسة في المدن والقرى والفيافي، وواصل أداء واجبه رغم قسوة الحرب وتعقيداتها. وكان التفاف قطاعات واسعة من الشعب السوداني حول القوات المسلحة أحد أبرز عناصر الصمود، بعدما رأى السودانيون في جيشهم المؤسسة الوطنية التي يمكن أن تحفظ وحدة البلاد وتصون سيادتها.
لقد أكدت هذه الحرب أن قوة القوات المسلحة لا تُقاس بالسلاح وحده، وإنما بما تمتلكه من عقيدة وطنية، وخبرة تراكمية، وانضباط، ومؤسسات، وقدرة على الصمود في مواجهة أصعب الظروف.
ومن هنا، فإن الحديث عن القوات المسلحة هو حديث عن رجالٍ حملوا الوطن في حدقات العيون، واتخذوا من الزي العسكري شرفاً ومسؤولية، ومن ساحات القتال ميداناً لأداء الواجب، ومن حماية الشعب والوطن رسالة لا تقبل المساومة.
في عيد القوات المسلحة، تحيةً لجيش الكرامة؛
تحيةً للمرابطين في الخنادق والثغور، في ميادين المعارك، وفي القرى والمدن والفيافي.
تحيةً للجرحى في المشافي، الذين يتداوون على أمل الشفاء والعودة إلى ساحات الحياة، ويحملون في أجسادهم آثار معركة الوطن.
تحيةً للمفقودين، نسأل الله أن يحفظهم ويردهم إلى أهلهم سالمين، وأن يطمئن قلوب أسرهم.
وتحيةً أعظم للشهداء؛ أولئك الذين قدموا أرواحهم ثمناً لعزة السودان وكرامته، ومضوا إلى ربهم تاركين خلفهم سيرةً من التضحية والفداء. سلامٌ على أرواحهم الطاهرة، وعلى أسرهم التي دفعت أثمن ما تملك من أجل الوطن.
وفي هذه المناسبة الوطنية، لا ينبغي أن ننسى كل القوات والأجهزة النظامية والقوى التي أسندت القوات المسلحة، وكل من وقف في خندق الوطن، وأدى واجبه بشجاعة ووطنية، دفاعاً عن أمن السودان وسلامة مواطنيه.
وتحية خاصة للشعب السوداني؛ هذا الشعب الذي تحمل آلام الحرب، وصبر على النزوح والفقدان، وفتح بيوته للنازحين، وظل متمسكاً بوطنه رغم كل الجراح. لقد أثبت السودانيون أن الوطن ليس مجرد حدود جغرافية، وإنما ذاكرة وانتماء وهوية وإرادة لا تنكسر.
إن عيد القوات المسلحة ليس مناسبة للاحتفال فحسب، وإنما مناسبة للتأمل في معنى الجيش الوطني، ومعنى الدولة، ومعنى أن تكون القوات المسلحة مؤسسة لكل السودانيين، تحمي الدستور والقانون والسيادة الوطنية، وتصون وحدة البلاد وأمن مواطنيها.
وإذا كانت الحرب قد أظهرت معدن الرجال، فإن المرحلة المقبلة تتطلب أيضاً أن نحافظ على وحدة السودان، وأن نعمل على بناء دولة قوية عادلة، وأن يكون السلاح في يد المؤسسات الوطنية وحدها، وأن تظل القوات المسلحة مؤسسة قومية جامعة، بعيدة عن الاستقطاب الحزبي والمناطقي والجهوي.
في الذكرى الثانية والسبعين، نقول لرجال القوات المسلحة:
كل عام وأنتم بخير، وكل عام والسودان أكثر أمناً واستقراراً ووحدة.
سلامٌ على من حملوا السلاح دفاعاً عن الوطن،
وسلامٌ على من عادوا بالنصر،
وسلامٌ على من ينتظرون العودة،
وسلامٌ على الشهداء في عليائهم.
حفظ الله السودان، وحفظ شعبه، وحفظ قواته المسلحة وكل مؤسساته الوطنية، ورحم شهداء الوطن، وعاجل بالشفاء الجرحى، ورد المفقودين إلى أهلهم، وكتب للسودان مستقبلاً يليق بتاريخه وأهله.
وما النصر إلا من عند الله.





