
*شاهيناز القرشي*
ما يحدث في السودان الآن ما هو إلا جزء من الحرب العالمية الثالثة التي أُقحمنا فيها قسرًا بدلًا عن دولة مجاورة. كيف وصلت إلى هذه الخلاصة؟
إذا نظرنا إلى الطريقة التي سقط بها نظام الإنقاذ، نجد أن فشل العلاقات الخارجية كان عاملًا مهمًا، حيث تراجعت الدول التي كانت تدعم ذلك النظام وتشكل حاجزًا لأثر العقوبات الأمريكية، بمنحه الودائع والأموال (الخليج)، والدعم الدبلوماسي والعسكري والمالي عبر الاستثمار في الذهب (روسيا). حتى الصين، التي كانت لديها شراكة نفطية ذهبية مع النظام، تحولت في آخر تسع سنوات من عهد عمر البشير وبعد انفصال الجنوب إلى شركة تحصيل ديون تحاول أن تجدول مديونيتها التي كانت تكبر كل يوم، حتى إنهم حاولوا تحصيلها عبر السيطرة على أراضٍ زراعية.
هذه الدول تركت الاقتصاد السوداني دون دعم حتى وصل للحضيض، مما زاد في تأجيج الثورة بنزول المطلبيين إلى الشارع جنبًا إلى جنب مع السياسيين. هذه الدول تخلت عن نظام الإنقاذ لأنه أصبح عبئًا يأخذ الأموال ولا يقدم ما يوازيها.
بعد السقوط، سارع العالم للترحيب بالسودان وبحكومته بشقيها، وكان هنالك شبه احتفاء، خصوصًا من الدول الكبرى التي تقود التغيير العالمي الذي نراه الآن، وبدأت تناقش الاستثمارات في البنى التحتية والموارد السودانية، وعقدت المؤتمرات باسم السودان، وقدمت دعمًا دبلوماسيًا عظيمًا، وربطت دعمها المادي بانتقال السلطة للمدنيين وتنفيذ مطالب الثورة.
إذًا، السودان لم يكن ضمن خطط الاضطراب التي كان يجب أن تنفذ في بعض دول المنطقة؛ لأن إسرائيل وحليفتها أمريكا، في سعيهما لحرب الشرق الأوسط، لديهما بؤر معينة يجب أن تشتعل. السودان ليس من ضمنها، وحرب السودان بلا فائدة لخطتهما، بل على العكس، السودان دولة قادرة على دعم الاستقرار الغذائي العالمي، وقد تم طرح السودان في عدة مؤتمرات كبديل محتمل مع الفجوة التي حدثت بسبب حرب روسيا وأوكرانيا.
وخرج ديفيد بيزلي، مدير البرنامج العالمي للغذاء، في فيديو قبل الحرب بقليل يبشر العالم بالخيرات التي ستخرج من هذه الأرض، كما أن الموانئ السودانية ستوفر بديلًا مناسبًا في البحر الأحمر في حالة اشتعال الحرب مع إيران وغيرها حتى لو لم يوفر السودان بديل يوازي ماتقدمه الدولة الجارة في مجالات معينة فهذا لن يكون سبب لايقاف الفوضى فيها ولنا في روسيا مثال على الرغم من كل الخدمات التي تقدمها لاوروبا تم جرها للحرب من اجل الصورة الكبرى.
وعلى صعيد آخر، مخطط الحرب، أو ربما نسميه الفوضى الداخلية، كان يُعد لمصر، وهي خطة قديمة نُشرت مرة على لسان برنارد لويس، المفكر اليهودي المتعصب لإسرائيل، وهو بريطاني-أمريكي، عرفت بخطة تقسيم العالم العربي وفي بعض الأحيان أُشير إليها كخطة لوزارة الدفاع الأمريكية.
وللأمانة، لا توجد وثائق تربط برنارد لويس بالخريطة والمخطط، ولكن هنالك مقال للصحفي الإسرائيلي عوديد يانون يشرح خطة إسرائيل بتقسيم مصر وتهويد سيناء وترحيل الفلسطينيين إليها. وسواء أكان برنارد لويس تبنى هذه الفكرة أم لم يتبنها، فأنا أعتقد أن الفكرة الأصلية هي «تقسيم مصر»، دون بقية الدول العربية التي أُقحمت لتخويف الشعوب.
وهنالك مؤشر مهم؛ فقد زادت مصر في الخمسة سنين الأخيرة تواجدها العسكري في سيناء، مخالفةً اتفاقية السلام بينها وبين إسرائيل، لعلم المخابرات المصرية بالخطة التي تُعد لإثارة الداخل المصري وإيصاله لحافة أمنية خطيرة، وعندها تجد إسرائيل مبررًا للتوغل والسيطرة على سيناء، كما فعلت في الجولان وجنوب لبنان، وتنشغل مصر بصراعاتها الداخلية عن المطالبة بسيناء، حتى تفرض إسرائيل مخططها كأمر واقع.
وهنالك شاهد اخر، وهو السياسة المصرية في التعاطي مع الحروب؛ حيث ترفض مصر التدخل بشكل مباشر في كل حروب المنطقة، مهما كانت المغريات. وفي هذه الأيام، تابع الإعلام المصري؛ ستجد الرسمي يتملص من الدعم المباشر للدول الحليفة له التي تتعرض لضربات ، وغير الرسمي ستجده يهاجم هذه الدول بفجاجة ويحاول أن يمرر قصصًا تحملها المسؤولية عن الهجوم الذي تتعرض له، حتى يضعوا مبررات لموقفهم غير الإيجابي.
وهذا موقف مصر المتكرر، فلماذا انخرطت في الحرب السودانية؟
وهنالك أمر مهم: التدخل المصري الأول في الحرب كان بتجهيز الدعم الجوي في مطار مروي، والآن هنالك مشاركة لمصر في الدفاع عن الإمارات بمفرزة من القوات الجوية المتمركزة في إمارة أبو ظبي، تواجد محاط بالكثير من التكتم، ولكنه تدخل لايبعد.كثيرًا عن السياسة المصرية فهو تدخل سري وجوي فقط.
السؤال هو: هل علاقة مصر بالإمارات تنافسية في حرب السودان أم تكاملية لإضعاف البلد، وينال كل شق ما يطلب؟
سؤال آخر: هل العائدات التي توفرها السلع السودانية لمصر أكبر من الأموال التي يضخها الخليج لتحرص مصر عليها وتشارك في الحرب من اجلها؟
هل مصر تعتبر فعلًا الحرب في السودان تهدد حدودها التي تفصلها عن السودان صحراء واسعة مفتوحة يصعب عبورها دون رصد؟ لماذا لم تتدخل في حرب غزة، مع أنها أقرب؟
في حرب ليبيا، لم تتدخل مصر إلا بشكل محدود لضرب داعش، التي ذبحت اقباط مصريين، وفي بعض الأحيان توغلوا داخل الحدود المصرية.
إذًا، أسباب تحركات مصر لدعم استمرار الحرب أكبر من الأمن القومي والمصالح الاقتصادية. تحرك مصر في إشعال حرب السودان كان لتعطيل مخطط تقسيمها بالفوضى من الداخل او بطريقة اخرى، وهذا التقسيم تفترضه حقيقة قديمة وكعادتي اطرحها كسؤال: هل إسرائيل ستكتفي بحدودها الحالية؟ هل الوجود الفلسطيني في خاصرة إسرائيل مرضي لها؟ و هنالك حقيقة حالية التغيرات العالمية الماثلة الآن هل ستنتج قوة داعمة لإسرائيل كما هي القوة القديمة؟ ام يجب على إسرائيل استغلال الاوضاع الحالية لتدخل النظام العالمي الجديد بوضع يناسبها اكثر ويثبت وجودها ويجعلها مقبولة في محيطها ويكون جزء من اتفاقيات وتحالفات الغد؟
في هذه الظروف وجدت المخابرات المصرية في النظام الكيزاني الطفيلي ضالتها، لتشعل السودان، فيتخوف العالم من زعزعة استقرار مصر، ومع عدم استقرار ليبيا سيكون هذا انفجارًا، وسيخرج الأمر عن السيطرة، ولن يسقط النرد كما تريد إسرائيل لذلك اعتقد تم تأجيل مخطط مصر ولكن من المستحيل أن يلغى إلا إذا اختفت إسرائيل من المنطقة.
وبما أن الأحداث الحالية في العالم، بما فيها من أزمات اقتصادية وحروب وتغير تحالفات، هي ترتيبات عالمية تشبه ما بعد الحرب العالمية الثانية، سنأتي لمرحلة إنهاء الحرب التي انتهت بالقنبلة النووية في الثانية، وستنتهي هذه الحرب بطريقة أو بأخرى، وما سيحدث لإنهائها سيكون بحجم القنبلة النووية.
والدولة التي تجنبت السقوط في ترعة الحروب المحدودة ستُلقى في محيط النهاية بالضربة القاضية، فهل هي تمتلك القوة لتعود للبر وتنجو؟





