شاكر مختار يكتب .. الحرب كشفت الأقنعة.. لكنها لا تمنح أحداً حق توزيع صكوك البطولة ــ بعانخي برس
بعانخي برس

الزميل الصحفي هاشم عبدالفتاح، في معرض حديثه عن الذين غادروا مدينة ودمدني عقب دخول المليشيا إليها، اختار أن يصفنا بأننا هربنا، وأن بعضنا من أصحاب القلوب الواجفة والولاء المزدوج.
وأنا أتفق معه تماماً في جملة واحدة فقط: الحرب كشفت الأقنعة وكشفت النفوس أيضاً.. وليتها لم تكشفها.
لكن يا زميلي هاشم، حين نفتح دفتر الحرب، علينا أن نفتحه كاملاً، لا أن ننتقي منه الصفحة التي تخدم روايتنا ونغلق بقية الصفحات.
نحن لم نغادر ودمدني بحثاً عن نزهة، ولم نترك مدينتنا لأن قلوبنا كانت أضعف من قلوب الآخرين. خرجنا كما خرج آلاف السودانيين عندما أصبحت المدن ساحات حرب، بحثاً عن الأمان، وحماية لأسرنا، وانتظاراً لليوم الذي تعود فيه المدينة إلى أهلها.
والأهم من ذلك أن الحديث عن الهروب من مدني لا يستقيم إذا تجاهل صاحبه أن الحرب لم تبدأ في ودمدني.
فالزميل هاشم، الذي يتحدث اليوم عن الصمود في وجه المليشيا، هو في الأصل ابن المناقل، وقد لجأ إليها بعد سقوط الخرطوم في يد المليشيا، قبل سقوط ودمدني بنحو ستة أشهر. وكان يتنقل بين المناقل ومدني، في محاولة لسد الفراغ الإعلامي الذي خلّفته الحرب في العاصمة.
وليس في ذلك عيب ولا منقصة.
بل على العكس، الهروب من منطقة الخطر طلباً للأمان ليس جريمة، ولا عاراً، ولا دليلاً على ضعف الوطنية.
فإذا كان من حق الإنسان أن يبحث عن الأمان عندما تسقط الخرطوم، فمن حقه أيضاً أن يبحث عنه عندما تسقط مدني.
المفارقة فقط أن تتحول تجربة النجاة الشخصية إلى سوط يُجلد به الآخرون.
يا هاشم..
المناقل التي احتميت بها يوم اشتدت الحرب على الخرطوم، هي نفسها التي احتضنت أبناء مدني عندما اشتعلت الحرب في الجزيرة. والذين خرجوا من مدني لم يخرجوا من السودان، ولم يخلعوا انتماءهم للجزيرة، ولم يوقعوا عقداً مع المليشيا.
غادروا مدينة احتلتها القوة، كما غادر آخرون مدناً وقرى قبلها.
فهل نقيس الوطنية بعدد الأيام التي بقي فيها الصحفي داخل منطقة الخطر؟
وهل أصبحت الشجاعة الصحفية مرهونة بأن يبقى الإنسان في المدينة حتى آخر لحظة؟
إذا كان الأمر كذلك، فعلينا أن نعيد تعريف الصحافة والوطنية والبطولة من جديد.
أنا لا أزايد على أحد في حب مدني، ولا أحتاج إلى شهادة من أحد تثبت أن هذه المدينة عزيزة علينا.
ودمدني ليست عقاراً نغادره فتسقط ملكيتنا له.
هي ذاكرة، وبيوت، وأهل، وشوارع، ومهنة، وأصدقاء، وأحلام، وتاريخ.
ومن المؤلم أن يأتي بعض الزملاء اليوم ليحولوا مأساة مدينة كاملة إلى مناسبة لتوزيع صكوك الوطنية، فيقول هذا: أنا صمدت، وأنتم هربتم.
الحقيقة أن الحرب لا تمنحنا دائماً فرصة الاختيار.
هناك من بقي، وهناك من خرج، وهناك من حمل أسرته، وهناك من ظل يعمل في ظروف بالغة القسوة، وهناك من اضطر إلى مغادرة المدينة ثم عاد إليها عندما سنحت له الفرصة.
كل هؤلاء سودانيون.
وكلهم دفعوا ثمن الحرب بطريقتهم.
أما الحديث عن القلوب الواجفة، فليت هاشم يسأل نفسه: هل الوجفان في القلب عيب عندما يكون الإنسان أمام آلة حرب؟
أليس الخوف غريزة بشرية؟
وهل أصبح الصحفي مطالباً بأن يلقي بنفسه وأسرته في التهلكة حتى يثبت أنه لا يخاف؟
ثم تأتي العبارة الأخطر: الولاء المزدوج.
هذه تهمة كبيرة، ولا ينبغي أن تُرمى جزافاً على الزملاء.
الاختلاف في الموقف، أو مغادرة مدينة، أو البحث عن مكان آمن، لا يساوي خيانة ولا ولاءً للمليشيا.
ومن يملك دليلاً على خيانة شخص بعينه، فليقدمه، بدلاً من إطلاق الأحكام العامة.
أما أن نجعل من اختلاف الناس في خياراتهم أثناء الحرب معياراً للوطنية، فذلك يفتح باباً لا يستطيع أحد إغلاقه.
يااا انت..
لسنا في منافسة على من كان أكثر شجاعة، ولسنا بحاجة إلى بطولة تُبنى على التقليل من الآخرين.
مدني لا تحتاج إلى أن نختلف حول من أحبها أكثر.
تحتاج إلى أن نتفق على أنها مدينة جريحة، وأن أهلها جميعاً دفعوا ثمن الحرب، وأن عودتها لا تكون بالشماتة فيمن غادر، ولا بتخوين من بقي، ولا بتقسيم أهلها إلى صامدين وهاربين.
أما أنت، وقد كنت في المناقل حين اشتدت الحرب على الخرطوم، فلا أعتقد أنك كنت ترى نفسك وقتها هارباً أو صاحب قلب واجف.
كنت ترى نفسك إنساناً يبحث عن مساحة يستطيع فيها أن يعيش ويعمل ويواصل رسالته.
وهذا بالضبط ما فعله الآخرون عندما أصبحت مدني غير آمنة.
لذلك، دعنا نترك قاموس التخوين جانباً.
فالحرب وحدها قاسية بما يكفي، ولا نحتاج إلى أن نضيف إليها حرباً أخرى بين أبناء المهنة الواحدة.
وأتفق معك مرة أخرى..
الحرب كشفت الأقنعة وكشفت النفوس أيضاً.. وليتها لم تكشفها.
لكن أجمل ما يمكن أن نفعله بعد أن تكشفت الوجوه، هو ألا نرتدي أقنعة جديدة باسم البطولة.
فالصحافة ليست ميداناً لإثبات من كان أشجع، وإنما مسؤولية للكلمة، وشهادة للتاريخ، وانحياز للحق.
ومن يحب مدني حقاً، فليكتب لها بما يجمع أهلها.. لا بما يزيد المسافة بينهم.
بالامس هاشم القصاص هجوما علينا واليوم هاشم عبدالفتاح.
ثم من التالي ياتري؟





