
هذا مثل سوداني يعرفه السودانيون، خاصة مزارعي الذرة الرفيعة (العيش)… حيث إن أهم مرحلة في مراحل نمو العيش هي مرحلة اللبن، التي يليها الحصاد مباشرة… ويُقال هذا المثل للشخص الذي اهتم بزراعته طوال فترة النمو، من ريٍ وقلع للحشائش الطفيلية، وتسميد، وطرد للطيور والآفات… ولكن عندما وصل محصوله إلى مرحلة “اللبن” انشغل عنه بأي شاغل، أو تَقَاعَس، أو ابتعد لظروف، أو إهمال ولامبالاة، أو لأن الأقدار أرادت ذلك، فجاء الطير وأكل المحصول في المرحلة الأخيرة (لَبَنَت وأعطيتها الطير)، فأصيب بعد ذلك بالحسرة والندم… حيث لا ينفع الندم!
وهذا المثل يشبه كل من قطع مسافة طويلة في مشوار العمر بكل ما هو جيد وجميل… من أعمال صالحات، أو حتى مواقف خالدة، أو تضحيات للآخرين دفع ثمنها عمره ووقته، ونفسه، وشبابه… بل وحياته، وحقه من المال والعيال؛ لأنهم يستحقون، ولأنهم جزء عزيز ينتمي منه وإليهم، ولأنهم كانوا بتقديراته هو “هم الحياة”.
ولكن تأتي (الحرب العبثية) لتعبث بكل ما في طريقها، ويطال العبث دواخلنا، وتتبعثر مشاعرنا وانتماءاتنا، وعلاقتنا ببعضنا البعض، بل يطال العبث أرواحنا فتُزهَق، لنصبح أجسادًا بلا أرواح، وأناسًا بلا ضمائر، وإنسانًا يعيش بالنِّسْيان!
نعم النسيان! فهو يريد أن ينسى كل شيء حوله، حتى الشعور بالآخرين حوله، والانتماء الروحي والوجداني لهم. يريد أن ينسى لأنه لا يستطيع أن يمد يد الانتشال ليخرجهم من غياهب الجب، ولا يستطيع أن يقول لنار الحرب: “كوني بردًا وسلامًا”، ولا يملك الجودي ليأخذهم فيها من طوفان الحرب، ولا يملك عصا موسى ليضرب البحر ليصلوا إلى شط الأمان. وبالتالي، لا خيار له إلا النسيان والتناسي!!
وبالرغم من أن كل حياته كانت عطاءً وتضحيات، وكُتِب في صحائفه الخير، ربما يُنسَف كل ذلك في لحظة، وتصبح كل تضحياته وأعماله سرابًا، فقط لأن ضغوطات الحرب طالته وأصبح غير قادر على التضحيات، ومواصلة العطاء؛ أصبح عاجزًا مكتوف اليدين، لأنه إنسان لا يملك معجزات الأنبياء، ولأن صوت أفكاره أصبح يغلب على صوت لسانه، ولأن الخوف من المجهول أصبح يغلب على الطمأنينة والأمان، ولأن صوت الرصاص وقصف الطيران أصبح يطغى على صوت الدعاء والرجاء!!
وهنا كان الانهيار النفسي هو ذلك الطير الذي هاجم العيش وهو لَبنة وقُرب الحصاد، وأصبح كل شيء يبابًا!! وخسر كل الذي عمله،وضاع الجهد الذي بذله في ذلك المشوار ليصل إلى محطة البِر والرضى والصلاح. وينتهي الكفاح فقط لأنه لا يملك غدًا ولا صباحًا، وكابوس الحرب حطم الأرواح!!
من سلسلة إيجابيات وسلبيات الحرب #[10]





