راي

محمد مصطفى يكتب .. ​بيانات الهوية السودانية.. بين الحقائق الموثقة ومزاعم “وجه النهار” ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

​في الوقت الذي تشرق فيه شمس الإنجاز من مدينة بورتسودان، وتستعيد الدولة السودانية نبض هويتها عبر تدشين الإصدار الثالث للبطاقة القومية، تطل علينا بعض الأحاديث التي تجافي الواقع وتحاول سلب أهل الحق حقهم. فما ورد في برنامج “وجه النهار” على لسان المهندس مجدي طه، الرئيس التنفيذي لشركة “سوداتل”، حول دور الشركة في إنقاذ ونقل بيانات السجل المدني من قلب الخرطوم، يستوجب منا وقفة مهنية لتصحيح المسار وتمليك الرأي العام الحقائق المجردة.
​الاستضافة ليست “امتلاكاً” أو “صلاحية”
​بدايةً، يجب توضيح لغط تقني وقع فيه الكثيرون؛ فسوداتل هي الجهة المستضيفة فقط لبيانات السجل المدني، وهي استضافة مدفوعة القيمة تنحصر مهامها في توفير البيئة التحتية من مكان مهيأ، وكهرباء دائمة، وأنظمة تكييف. إن السيادة التقنية على هذه البيانات تظل حصرياً بيد الشرطة السودانية، ولا تملك الشركة المستضيفة أي صلاحية للدخول إلى البرامج أو القيام بأي إجراء (نقل أو تغيير). بل إن أي محاولة للتدخل من قبل الشركة تُعد خرقاً قانونياً وكارثة تقنية قد تقود لإتلاف البيانات.
​الملحمة الفدائية.. كيف استُعيدت البيانات؟
​الحقيقة التي لا تقبل التزييف هي أن قوات الشرطة (الجوازات والسجل المدني) هي الوحيدة التي استردت أنظمتها وقواعد بياناتها في وقت مبكر جداً من عمر الحرب، وبدون تدخل أي جهة أخرى.
​لقد تمت عملية الاستعادة عبر مسارين، وبإشراف مجموعة محدودة من الضباط والمهندسين الفنيين الذين يمتلكون “شفرات النقل” وكلمات السر التي لا يتجاوز حاملوها أصابع اليد الواحدة.
​المسار الأول: كان نقل السيرفرات فيزيائياً، وهو ما تم استبعاده فوراً نظراً لحساسية الأجهزة وخطر فقدان البيانات.
​المسار الثاني (المنفذ): هو الوصول للبيانات المشفرة عن بُعد، وهي عملية فدائية وتقنية معقدة استغرقت 63 يوماً.
​وفي سياق هذه الملحمة، لا ننسى دماء الشهداء من ضباط الشرطة الذين قضوا نحبهم برصاص الدعم السريع عقب نجاحهم في مهمة إنقاذ بيانات المرور من قلب المناطق الملتهبة بالخرطوم.
​تساؤلات مشروعة وردود واجبة
​إن حديث المهندس مجدي حول وجود “أجانب يقومون بطباعة الجوازات” يفتقر للدقة؛ فالموقع المستضيف بسوداتل يحتوي على سيرفرات فقط، ولا توجد به ماكينات طباعة جوازات أو شهادات سجل مدني. كما أن “الاستورج” والمعدات التي تم استيرادها، لم تتدخل الدولة لتسهيل إدخالها إلا بتعهد من الشرطة للجمارك، وكان الغرض منها استضافة كافة بيانات الدولة، وليس السجل المدني وحده.
​بورتسودان.. عودة النبض
​اليوم، تمتلك الإدارة العامة للجوازات أربعة مصانع للجواز الإلكتروني موزعة في ولايات السودان. واستطاعت في وقت وجيز تأسيس أكبر مركز بيانات وإنتاج للهوية الوطنية في إحدى الولايات.
​إننا نطمئن الشعب السوداني بأن بياناته في “أيدٍ أمينة” وسرية تامة، وما حدث من استعادة كاملة للبيانات هو نتاج جهد خالص لأبناء السجل المدني الذين واصلوا الليل بالنهار منذ اندلاع الحرب. إن محاولة نسب هذا الإنجاز لجهات مستضيفة لا تملك أدوات النقل ولا شفرات الوصول هو ادعاء يدحضه الواقع والمنطق التقني.
​ختاماً.. الإدارة العامة للجوازات والهجرة تستحق وسام الإنجاز، فقد حققت “المستحيل” لخدمة المواطنين، وحولت فترة الحرب إلى قصة نجاح في حفظ ذاكرة الأمة الرقمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى