
بقلبٍ يقطر وجعاً، وبمرارةٍ لا يمحوها الصمت، ننعى اليوم زميلةً غالية، وكادراً هندسياً وعطاءً زراعياً لا يُعوض. **أحلام محمد احمد **، المديرة الزراعية السابقة لمحلية الكاملين، لم تمت ميتةً طبيعية، بل اختطفها “الغول” الجائع الرابض بين الخرطوم ومدني. لم تكن مجرد حادثة سير، بل كانت عملية اغتيالٍ لروحٍ وطموح، نفذها طريقٌ تحول بفضل الإهمال إلى أسرع مسارٍ للوصول إلى الآخرة.
وكل الارقام المرتبط بهذا الطريق هي أرقامٌ بلون الدم ، كيف يُعقل أن الشريان الذي يربط أكبر ثقل اقتصادي وسكاني في السودان هو مجرد مسار واحد “ضيق” ومتهالك؟ طريقٌ يضعك أمام خيارين أحلاهما علقم: إما السقوط في حفرة تبتلع سيارتك، أو المجازفة بـ “تصادم مواجه” ينهي حياتك في لمح البصر.
تقارير المرور السريع تصرخ بالحقائق التي يتجاهلها المسؤولون هذا الطريق يحصد وحده أكثر من 25% من إجمالي حوادث الطرق القومية في البلاد. نحن نتحدث عن محرقة بشرية تسجل ما بين 500 إلى 700 حادث سنوياً. إنها ليست مجرد إحصائيات، بل هي بيوتٌ تُغلق، وأطفالٌ يُيتمون، وكفاءات مثل “أحلام” تُدفن تحت ركام الإهمال.
هذا الطريق عنوانه الإهمال و الفساد “المزدوج” والطريقٌ “الفردي”،
قصة “طريق مدني المزدوج” هي قصة الخزي الوطني بامتياز. سنواتٌ من الوعود، وشركات وطنية تظهر وتختفي، وعمليات “ردميات” تبدأ ثم تتوقف كأنها مسرحية سيئة الإخراج. أين ذهبت الميزانيات الضخمة التي رُصدت في موازنات الدولة المتتالية؟ الإجابة واضحة كالشمس ، لقد ابتلعها ثقب الفساد الأسود، وتحولت من طبقات أسفلت تحمي أرواح الناس إلى مال سائب لا تعرف أين ذهب وإلى جثث ضحايا ملقاة على الاسفلت.
المفارقة المؤلمة أن هذا الطريق هو الأكثر دراً للعائدات عبر “نقاط التحصيل”؛ أموال الشاحنات والبضائع والمواطنين تُجمع يومياً باسم “الصيانة والجسور”، لكن الواقع لا يعكس سوى غياب تام للعلامات الإرشادية، وانعدام للإضاءة، وطبقة أسفلتية تفتتت تحت وطأة الأوزان الزائدة وغياب الرقابة.
إن الحل لا يحتاج إلى معجزات، بل يحتاج إلى “ود حلال” يضع مصلحة الوطن والناس فوق مصالحه الشخصية. لا بديل عن: الطريق المزدوج هو الحل الجذري والوحيد لإنهاء مجازر “التصادم المواجه”. (نحلم بطريق مزدوج يتيم وفي بلدان قريبة ترى الطرق الرباعية و السداسية) ….. (كم لبثنا؟)
لابد من صندوق صيانة مستقل ، يجب أن تذهب رسوم العبور مباشرةً وبشفافية كاملة تحت رقابة شعبية وهندسية لإصلاح الطريق .
الرقابة الصارمة ضرورة قصوى وتفعيل الرادار وتحديد حمولة الشاحنات التي تفتك بما تبقى من الطريق.
رحم الله أحلام، وعوض شبابها الجنة وتقبلها شهيدة ورحم الله كل نفسٍ أُزهقت على هذا الطريق اللعين.تعازينا الحارة لذوي الزميلة احلام محمد ولزملائها ولكل من نهل من لطفها وعرف فضلها . ولجميع أسر ضحايا ال حادث ودعواتنا بالشفاء للمصابين.
ولكن، هل يكفي العزاء؟ إلى متى سيظل “شارع الموت” يلتهم خيرة أبنائنا بينما يقف المسؤولون موقف المتفرج؟
كفى.. فقد شبع الطريق من دمائنا.





