راي

د. خالد يوسف بكري يكتب .. المريض أولا.. من الفلسفة إلى واقع الخدمة ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

 

* في عالم الرعاية الصحية الحديث، لم يعد نجاح المستشفيات يقاس ( فقط ) بما تمتلكه من أجهزة متطورة أو أطر طبية مؤهلة،وإنما بقدرتها على وضع المريض في قلب اهتمامها، وتحويل احتياجاته وتوقعاته إلى أولوية تحكم القرارات الإدارية والممارسات اليومية، فمن هنا تنطلق فلسفة ( المريض أولا ) بوصفها نهجا مؤسسيا يتجاوز حدود الشعارات إلى واقع الخدمة.

* إن تطبيق هذه الفلسفة يبدأ من التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عادية، لكنها تصنع فارق كبير في تجربة المريض، من حسن الاستقبال وسهولة الإجراءات، إلى سرعة الاستجابة وانتهاء بمتابعة حالته بعد تلقي العلاج، فالمريض لا يبحث عن دواء فقط، بل يتطلع إلى رعاية تحفظ كرامته وتمنحه الشعور بالأمان والاهتمام.

* وهنا يأتي دور الإدارة في تحويل هذا التوجه إلى ثقافة مؤسسية مشتركة، من خلال وضع معايير واضحة لجودة الخدمة، وتأهيل العاملين، وتطوير بيئة العمل، وقياس رضا المرضى، والتعامل الجاد مع ملاحظاتهم وشكاواهم. فالإدارة التي تضع المريض في مقدمة أولوياتها لا تكتفي بتقديم الخدمة، بل تسعى باستمرار إلى معرفة مدى جودتها وأثرها في حياة المستفيدين منها.

* ولا يمكن تحقيق هذا الهدف بمعزل عن العاملين في المستشفى.. فالطبيب الذي يستمع إلى مريضه، والممرض الذي يتعامل معه برفق، بالإضافة إلى الإداري الذي يسهم في إزالة العقبات أمام حصوله على الخدمة ( جميعهم ) شركاء في صناعة تجربة صحية متكاملة، وبالتالي فإن المريض أولا ليست مسؤولية قسم بعينه، وإنما التزام يشمل المؤسسة الصحية بأكملها.

* كما أن وضع المريض في صدارة الاهتمام لا يعني إهمال الكفاءة التشغيلية أو تجاوز الأنظمة، وأنما يعني تصميم الإجراءات والسياسات بطريقة تحقق التوازن بين متطلبات الإدارة وحقوق المرضى، وتضمن تقديم خدمة آمنة وعادلة وفعالة، مع الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة.

* إن المستشفى الذي يتبنى هذه الفلسفة هو الذي يجعل ( صوت المريض ) حاضرا في عملية التطوير، ويعتبر رضاه وسلامته وكرامته مؤشرات أساسية للحكم على جودة أدائه، فالتجربة الإيجابية لا تصنع بلحظة واحدة، وإنما تتشكل عبر سلسلة من المواقف والممارسات التي يشعر من خلالها المريض بأنه محل اهتمام حقيقي.

* وخلاصة القول: لا تكمن قيمة المريض أولا في ( جمال العبارة ) بل في قدرة المؤسسة الصحية على ترجمتها إلى سلوك يومي وقرارات عملية، فعندما تصبح إنسانية التعامل جزءا من ثقافة العمل،التزاما مشتركا تتحول فلسفة الإدارة إلى تجربة يشعر بها المريض، وتصبح الثقة التي يبنيها المستشفى مع المجتمع إحدى أهم ثمار نجاحه.

* شكري وتقديري لك القارئ الكريم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى