
لن نتحمل عيب وأخطاء الآخرين الذين يحاولون أخذنا لحتفنا ونحن من دون ذنب أو جريرة اقترفناها. هم المسؤولون عن الخطأ فليحاسبوا أنفسهم قبل محاسبتنا.
كل شيء تغير بسبب الأخطاء السياسية والاقتصادية، لنرمي ذلك على شماعة الحرب.. نعم للحرب تبعاتها ولكنها ليست كل شيء.. لنا من الموارد ما يسد جوعنا، غير أنهم لا يعرفون كيف تُستغل، بل يعيشون على مقولة “بطني من قبل وطني” وهذا ما نحن فيه الآن.
كيف وصلنا لهذا الوضع؟!
حقيقة لا يستطيعون نكرانها مهما حاولوا.. الموظف مرتبه الشهري لا يكفيه مصاريف ثلاثة أيام حتى وإن كان في الدرجة الثانية في التصنيف .. فنترك أهل الأولى للأولى.. لا حديث عنهم.. فقط اجتماعات اللجان تسد “الفرقة” وأنتم لا تعلمون كيف يكون حال الآخرين الذين يبحثون عن لقمة رغيف يابسة أو كيس كرتة.. َقالها بكل صدق انا ما عايز حاجة من غير ملوة عدسية امشي بيها اليومين ديل مع أولادي. ثم انهمرت عيونه باكية.. لك الله ياهذا َ.
فلكم هذه اللوحة المؤلمة حقا:
نقف أمام مطعم بسيط وسط السوق العام بودمدني.. يعني قِدرة فول.. ذلك الفول الذي كاد أن يُحرم منه عامة الشعب السوداني.. فول وموية فول وفتة فول.. بطون تحمل قدور الفول صباحاً مساءً.. بعيداً عن الدكوة والطماطم..والبيرقر ودجاج كنتاكي والاقاشي والسمك.
تلاميذ مدرسة وعام دراسي مضغوط “مش عارف كيف” هم مستمرون.. بالقرب من عامل غسيل الصحون، أحدهم يمد يده طالباً “كرتة فول” بخمسمائة جنيه.. والآخرون في حالة انتظار لإنهاء المهمة..
يجمع العامل باقي الأكل من الصحون بطريقة فنية سريعة كأنه له من الخبرة التراكمية في هذا المجال، ليضع كل ذلك داخل كيس ويلفه في آخر حتى لا يوسخ الكراسات والكتب.. ليقوم التلميذ المقهور جوعاً بوضعه داخل الحقيبة المدرسية والفرح يرسم وجهه، ويتكاتف الصبية مشياً “كداري” لأنو مواصلات مافي بسبب انقطاع المواد البترولية.. حتى وإن وجدت ارتفعت التعرفة..
هل وصلنا لهذا الوضع؟!
تلميذ يضع بقايا أكل الناس في شنطته بدلاً عن كتابه.. يفرح بـ “كرتة الفول” كأنها غنيمة؟!
هذه ليست لوحة عابرة، هذه مرآة لحال وصلنا إليه.. جوع يمشي على قدمين صغيرتين، وتعليم يمشي حافياً بلا مواصلات، وأسر تذبحها السياسات الخاطئة قبل أن تذبحها الحرب.
يا سادة.. عندما يصبح الفول حلماً، وبقايا الصحون وجبة لتلميذ، فاعلموا أننا وصلنا الحافة.
ارحموا هذا الجيل.. قبل أن يكتب التاريخ أننا تركنا أطفالنا يأكلون من خشاشة الموائد ونحن نتفرج.
ياترى كم من أمثال هؤلاء في بلد كان يوصف بسلة غذاء الوطن العربي..
خمة نفس أخيرة:
جيش واحد.. شعب واحد.. ولو جعنا.





