راي

حرف ومعني ــ منى حمزة ــ مدني ولدت شامخة ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

 

وُلدت أمُّ المدائن «مدني» في القرن السادس عشر على الضفة الغربية للنيل الأزرق، عندما هاجر إلى هذا المكان الفقيه محمد الأمين مدني السني، وأسس خلوة لتدريس علوم القرآن على نهج السنة النبوية، فكان الاسم «السني»، ومكان الخلوة هو المكان الحالي لقبة ود مدني السني.

وفي هذا المكان هاجرت إليه من الشمال قبائل العيساب والدرنية والهواوير والدناقلة والشوايقة، وأسسوا ديارهم حول خلوة الفقيه، وسُمّيت المنطقة بحي المدنيين، وهو من أعرق أحياء ود مدني.

وُلدت هذه المدينة شامخة منذ البداية، حيث سكنت أرضها أعرق الأسر التي ما زالت ممتدة إلى يومنا هذا، كما تميز أبناء تلك الأسر في مجالات الحياة العلمية والدينية والسياسية والرياضية، ليصبحوا رموزًا لهذه المدينة الجميلة، ولتصبح هذه المدينة بإبداعاتهم أمَّ المدائن السودانية، حيث هاجر إليها سكان السودان من جميع الاتجاهات، ووجدوا فيها السكنة والعِشرة الطيبة مع أهلها، ووجدوا الرزق.

وقد قيل في هذا السياق إن الشيخ الفقيه ود مدني السني قال مقولة متوارثة مفادها أن «مدني بتكرم ضيفها»، وهنا قصد أبونا السني كل أنواع الكرم، سواء كان كرم الرفادة أو كرم الضيافة أو كرم الإقامة، وأهمها كرم الرزق الوفير للقادمين للعمل في مدني.

عمل سكانها في بداية الأمر بالتجارة في فترة دولة الفونج، ثم بدباغة الجلود والصناعات اليدوية الجلدية في فترة المستعمر التركي، والزراعة على جانب النيل في الخريف، ورعاية الحيوانات، ثم بعد تأسيس مشروع الجزيرة توسعت أعمالهم الزراعية، ونشطت التجارة.

كل ذلك لم يمنع إنسان مدني من ميوله الفنية والشعرية والسياسية والرياضية التي وُجدت عنده بالفطرة، فبرع فيها الشعراء والمغنون والرياضيون والسياسيون منذ أمد بعيد، وما زالوا، وهذا هو سر هذه المدينة المضيافة، حيث تميز سكانها بالعاطفة والبساطة والسماحة، كما تميزوا بحبهم لها!!

وظهر ذلك جليًا عندما أبعدتهم الحرب دون حول ولا قوة منها، فنجد الكثيرين ماتوا قهرًا، وكانوا يفضلون أن يموتوا بالرصاص في الحرب ولا يتركون ديارهم. وحتى الذين جبرهم البحث عن الأمان لأسرهم في الملاجئ بدول الجوار أو الدول الغربية، كان ليلهم أشبه بنهارهم، وهم يعيشون الوجع والوله على أم المدائن مدني.

وعندما تم تحرير هذه المدينة، فرح سكانها بالخارج والداخل، ونسوا الوجع والفقد والتشريد وضياع الممتلكات. كل ذلك كان لا يساوي شيئًا مقابل أن تعود مدني آمنة، وعادوا إليها فرادى وجماعات، يحملهم الشوق ويمتطون الحنين، عادوا إلى ديارهم وشوارعهم، وعمروها بفرحة العودة وغِبطة الأمان.

عمروها بأرواحهم العاشقة لها قبل أيديهم ومالهم، عمروها بالتكافل والمشاركة الطوعية لأبنائها بالخارج والداخل، لتعود شامخة آمنة مستقرة ومتطورة، وما زالت أيديهم وأفكارهم الملهمة ليعيدوها سيرتها الأولى؛ لأنها وُلدت شامخة.

ولأنها مدينة تتغلغل في وجدان من يسكنها وجدًا وحبًا ولهفةً وحنينًا، لأنها مدينة لا يمكن أن تنساها الذاكرة وإن هرمت، لأنها مدينة لا يمكن أن تنسى أهلها وإن بَعُدوا، لأنها مدينة في الخاطر بصمة سمحة، وفي العيون لَمْحة حلوة، وفي الشفاه ابتسامة بيضاء للوافدين.

لأنها مدني@@@

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى