
تخيل معي عزيزي القاري..ان مدينة تجلس فيها الأرقام على مقاعد المطاعم لتلتهم جيوب العابرين؛
هذا بالتأكيد ليس مشهدا سينمائياً بقدر ماهي حقيقة بطلتها وجبة جاهزة في احدي مطاعم الخرطوم لاتكفي لثلاثة أشخاص، تجاوز ثمنها حاجز الـ 3 ملايين جنيه سوداني!
لتعكس واقع مرير يعيشه لبلدٍ يُعاد تشكيل ملامحه بين مطرقة الحرب الدامية وسندان الغلاء الفاحش المستعر.
هذا التدهور الكابوسي بالطبع. ليس وليد الصدفة، بل هو النتيجة الحتمية لبلدٍ أنهكته بندقية الحرب وعصفت ببنيته التحتية، بينما تفرغت عصبة من الانتهازيين (الذين يحركهم اللا اسلاميين ) لنهب وتجريف ما تبقى من موارد وثروات شحيحة، وتجييرها بالكامل لصالحهم. والنتيجة؟ إفقار ممنهج للمواطن الذي وجد نفسه فجأة بلا خيارات، ممزقاً بين جحيم المعارك في الداخل، ومرارة اللجوء والنزوح في معسكرات البؤس والمدن البديلة.
السودان اليوم ، أصبحت الخدمات ترفاً غابراً؛ فالكهرباء تزور البيوت كشبحٍ عابر، والأدوية المنقذة للحياة باتت نادرة كأحلام الاستقرار، ويُترك المريض يصارع الموت بانتظار جرعة دواء لا تأتي.
إن الأرقام الرسمية الصادمة تعكس مأساة حقيقية تفوق الخيال:
• 33.7 مليون شخص (شخصان من كل ثلاثة) في السودان باتوا بحاجة ماسة وعاجلة إلى المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة.
• أكثر من 13 مليون نازح ولاجئ فروا من منازلهم هرباً من الموت، مشكلين أضخم أزمة نزوح قسري على كوكب الأرض اليوم.
• نحو 20 مليون شخص يواجهون خطر الجوع الحاد وانعدام الأمن الغذائي الشديد.
• نظام صحي منهار بالكامل، وأكثر من 17 مليون طفل محرومون من حقهم الطبيعي في التعليم.
هذا الواقع المأساوي الذي بات لا ينفعه التجمل بمساحيق الكرامة الزائفة التي باتت غير قادرة علي اخفاء تلك الملامح المشوهه..وهو ايضا ( اي الواقع ) بات لا يرهقه تحمل المذيد من المعاناة اكثر .وهو يمثل وصمة عار خالدة وتاريخية في جبين كل من دعم هذه الحرب، وكل من لا يزال يذكي نيرانها بوسائل مباشرة أو غير مباشرة. والمفارقة الأكثر مرارة، هي أن تجد هؤلاء الداعمين والمحرضين هم أنفسهم من يعترضون اليوم على سوء الأوضاع المعيشية وتدهور الخدمات! وكأن الحرب كانت نزهة يُرجى منها إعمار البلاد وتنميتها، بدلاً من كونها آلة صماء لا تجيد سوى الهدم والتدمير.
إن المنطق البسيط يصرخ في وجه هذا العبث وهو التعافي بالتأكيد..لن يبدأ والبلد ينزف، والحل الأول والوحيد هو إيقاف الحرب فوراً ومنع تكرارها. هذا الطريق يبدأ بالضرورة من توعية وتنوير المواطنين المغيبين عن الحقيقة، والذين تم تزييف وعيهم ليصفقوا للمحرقة التي تحرق بيوتهم وقوت يومهم. لا بديل عن السلام، ولا بديل عن استعادة العقل لتستعيد الأرض عافيتها.
وحتما سنبنيه البنحلم بيه يوماتي
وطن عاتي وطن خير ديمقراطي
وكفى
طه عواض




