
*شاهيناز القرشي*
تمارس الخارجية الأمريكية ضغوطًا على السودان وإثيوبيا للخروج من حالة حرب المسيّرات والتصريحات إلى سلام مشروط بتوقف إثيوبيا عن دعم الدعم السريع، وتوقف السودان عن ممارسة دور مخلب القط لصالح مصر. ورأينا ذلك في التصريحات السودانية الأخيرة بخصوص التواصل مع إثيوبيا.
ومن ناحية أخرى، يسعى مارك روبيو إلى نزع فتيل الحرب بين إثيوبيا وإريتريا، التي تهدد بتعقيد الأوضاع أكثر على شواطئ البحر الأحمر. فموقع إريتريا المطل على باب المندب، بسواحلها التي تمتد ألف كيلومتر، لا يسمح في الوقت الحالي بتفجّر الأوضاع. وذلك يعني إخراج السودان وإريتريا من ظل السيطرة المصرية.
وتأتي أهمية السودان من الحدود والمصالح التي تجمعه بالدولتين، وفي حالة ميله إلى إحداهما، سيشكل ضغطًا على الأخرى ويتسبب في الكثير من المشاكل.
ومن واقع الفشل السياسي الذي يعانيه السودان منذ عقود طويلة بسبب سياسة الإخوان المسلمين، التي تضع السودان، بكل عظمته، كدولة وظيفية في يد من يمنح الكيزان صك القبول، فالكيزان أنفسهم كيان وظيفي خُلق لمهمة معينة سأتطرق إليها لاحقًا. والدور الوظيفي يتطلب من السودان الدخول في صراعات تخص دولًا أخرى، والدخول في مواجهات بلا أهداف تخصه.
الآن، في الصراع الإثيوبي المصري، هنالك صراع غير مباشر بين السودان وإسرائيل؛ لأن إسرائيل حليف لإثيوبيا. تخوض إسرائيل مع مصر جولات ضرب تحت الحزام من إثيوبيا، ويتبرع الكيزان بتقديم السودان ليكون بندقية زنادها في القاهرة وفوهتها موجهة إلى أديس أبابا.
كان من الممكن أن يختار السودان دور الحياد، ويكون الدولة التي يحرص الطرفان على رضاها، وحينها ستقدم مصر أفضل ما يمكن، ولن تتجرأ إثيوبيا على دعم التمرد. ولكن دور الحياد في هذه القضايا يحتاج إلى حكومة تعمل فقط لصالح السودان، ويجب أن تكون حكومة مقبولة عالميًا، دون يد توجعها، وبلا تصرفات مدانة (انقلاب، عقوبات، تصنيفات بالإرهاب، حرب)، وغير مضطرة لتقديم التنازلات.
الوضع الداخلي وسياسة الإخوان المسلمين يقولان إن الكلمات اللطيفة التي قالها مسعد بولس عن اجتماعه بالبرهان، وكل ما يدور عن وجود انفراجة في العلاقات الأمريكية السودانية، سيظل مجرد كلام؛ لأن شروط التقدم إلى الأمام في هذه العلاقة تعني خروج السودان من الدولة الوظيفية التي ناصرت صدام يوم ضرب الكويت، وحاولت اغتيال حسني مبارك لصالح الإخوان المسلمين، وتسللت إلى إيران، وساندت داعش والجماعات الإرهابية، وتحالفت مع روسيا، وتعادي دول الجوار ودول العالم الكبرى من أجل أجندة حزب يعتاش على صنع الأعداء والكراهية.
لتنجح العلاقات الأمريكية السودانية، يجب أن يخرج السودان من الأدوار التي تحط من قدر هذه البلاد، وأن يتبع سياسة متوازنة واضحة تحسب المصلحة السودانية فقط، ويخرج من الصراعات التي لا تخدم مصالحه. فالوضع العالمي الجديد تختلف فيه مسارات القضايا عما كان في السابق، فإذا عوّلت حكومة السودان على سياسة أمريكا القديمة في التعامل مع أوضاع مشابهة، فستتفاجأ بالمسارات الجديدة غير المحسوبة وغير المسبوقة.
نحن نمر بحقبة يجب أن تصل فيها الأمور إلى نهايات في كل العالم، لنصل إلى استقرار ما بعد الحرب العالمية، وتظهر التحالفات الجديدة للدول الناجية التي أثبتت حقها في البقاء. سنرى بدائل لحلف الناتو، وشكلًا مختلفًا للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وغيرهما، وتُعقد الاتفاقيات القائمة على أسس سياسية واقتصادية جديدة، التي ستحل محل القديم.
قلت سابقًا إن الإخوان المسلمين كيان وظيفي. هذا الكيان قد انتهى دوره في العالم بانتهاء فترة حشد التعاطف العالمي مع إسرائيل ومقاومة المد الشيوعي والشيعي. ظل الإخوان المسلمون ينادون بالجهاد ضد إسرائيل دون فعل يوازي كل ذلك الضجيج، وكانت كلماتهم وشعاراتهم كافية لخلق السند المطلوب من الدول الكبرى لتدعم إسرائيل كدولة وحيدة في محيط معادٍ.
الآن، تريد إسرائيل أن تنهي كل صراعاتها، وتثبت وضعها النهائي الحدودي والسياسي، وتعيش كدولة طبيعية، وتتبادل مع محيطها المصالح في ظل علاقات طبيعية. وهذه مرحلة جديدة انتهى فيها دور الإخوان المسلمين، كما أن الشيوعية انتهت من العالم، وأصبح العالم السني لا يضع الصراع مع الشيعة كأولوية.
العالم كله مقبل على وضع جديد لا دور فيه لجماعة الإخوان المسلمين، مثلهم مثل الموظفين الذين تم استبدالهم بالذكاء الاصطناعي. والآن، إما أن يختار السودان التخلص من الكيزان، أو السقوط معهم والوصول إلى تقسيم السودان إلى دويلات تتبع لدول مجاورة، ونصبح بلدان مقسمًة وتحت الاستعمار.




