محاسن عثمان نصر تكتب .. مركزية مرتبات المعلمين… إنصافٌ طال انتظاره وعدالةٌ تنتظر الجميع ــ بعانخي برس
بعانخي برس

ليست قيمة القرارات الحكومية في نصوصها وحدها، وإنما في الرسائل التي تبعث بها إلى المجتمع. وعندما تقرر الدولة معالجة أوضاع المعلمين، فإنها لا تستجيب لمطالب فئة مهنية فحسب، بل تعلن اعترافها بأن التعليم يظل الركيزة الأولى لبناء الإنسان، وأن من يحمل رسالة التنوير يستحق حياة تحفظ كرامته وتصون مكانته.
في هذا السياق، جاءت قرارات رئيس مجلس الوزراء، البروفيسور كامل إدريس، الخاصة بمركزية مرتبات المعلمين، وسداد المتأخرات، وإنفاذ المنشورات المالية، وإعفاء أبناء المعلمين من رسوم الامتحانات، لتضع حداً لسنوات من الانتظار. وهي قرارات تستحق الترحيب، ليس لأنها منحت المعلمين امتيازات استثنائية، وإنما لأنها أعادت التأكيد على حق أصيل ظل مؤجلاً بفعل الأزمات الاقتصادية والظروف الاستثنائية التي مرت بها البلاد.
لقد تحمل المعلم السوداني، كما غيره من العاملين، سنوات عصيبة اتسمت بضعف الأجور، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، فضلاً عن الظروف التي فرضتها الحرب على مؤسسات الدولة والمجتمع. ومع ذلك، ظل يؤدي رسالته، مؤمناً بأن بناء الأجيال مسؤولية لا تتوقف عند حدود الأزمات.
ومن الإنصاف القول إن اتخاذ هذه الخطوة، حتى وإن جاء متأخراً، يظل أفضل من استمرار التأجيل. غير أن أهمية القرار لا ينبغي أن تحصر في إطار قطاع التعليم وحده، بل يجب النظر إليه بوصفه بداية لمعالجة أوسع تستند إلى مبدأ العدالة بين جميع العاملين في أجهزة الدولة.
فالخدمة المدنية السودانية تضم آلاف الموظفين في قطاعات الصحة، والزراعة، والخدمات، وغير ذلك من المؤسسات التي حافظت على استمرار العمل العام في أصعب الظروف. هؤلاء أيضاً تحملوا تأخر المرتبات، وتآكل الدخول، وضغوط الحياة اليومية، ولم يغادروا مواقعهم رغم كل التحديات. ومن ثم، فإن العدالة تقتضي أن تمتد مظلة الإصلاح إليهم وفق رؤية متدرجة وواضحة.
إن بناء دولة المؤسسات لا يقوم على القرارات الجزئية، وإنما على سياسات شاملة تحقق التوازن بين الحقوق والواجبات، وتؤسس لنظام أجور عادل، يكفل للعامل حياة كريمة تتناسب مع قيمة العمل الذي يؤديه. فالاستقرار الوظيفي ليس مطلباً نقابياً فحسب، بل هو شرط أساسي لتحسين الأداء، ورفع الإنتاجية، وتعزيز ثقة العاملين في مؤسساتهم.
وتكتسب هذه القرارات أهمية إضافية في ظل ما أثير أخيراً حول وظائف التعليم بولاية الجزيرة، وما صاحبها من نقاشات بشأن إجراءات التعيين وتكافؤ الفرص. ومهما تعددت الآراء، فإن الرسالة الأهم تظل واحدة: لا قيمة لأي إصلاح مالي إذا لم يواكبه إصلاح إداري يرسخ الشفافية، ويضمن المساواة بين المواطنين، ويجعل الكفاءة وحدها معياراً للتوظيف والترقي.
فالمعلم يحتاج إلى راتب عادل، كما يحتاج إلى بيئة عمل مستقرة، وإجراءات إدارية منصفة، ومؤسسات تحمي حقوقه وتقدر عطائه. وهذه المعادلة لا تخص المعلمين وحدهم، بل تمثل أساساً ينبغي أن تقوم عليه الخدمة المدنية السودانية بأكملها.
إن القرارات الأخيرة تستحق الإشادة، لكنها في الوقت نفسه تضع الحكومة أمام مسؤولية أكبر، وهي استكمال مسار الإصلاح، ووضع برنامج قومي معلن لمعالجة أوضاع جميع العاملين بالدولة، بما يضمن استقرار الخدمة المدنية ويعيد إليها دورها التاريخي بوصفها إحدى ركائز بناء الدولة الحديثة.
فالنهضة تتحقق بإرساء ميزان عدالة يشعر في ظله كل عامل بأن جهده مقدر، وحقوقه مصونة، ومستقبله الوظيفي قائم على المساواة والإنصاف، وقتها يكون الوطن قد وضع قدمه الأولى على طريق التعافي الحقيقي والتنمية المستدامة.
تحيا العزة والشمخ للقوات المسلحة والقوات المساندة، والرحمة والمغفرة لشهداء الوطن، والدعاء بالنصر والثبات لقواتنا وهي تمضي نحو استكمال تحرير كل شبر من أرض السودان، حتى يعم الأمن والاستقرار جميع ربوعه.




