
*شاهيناز القرشي*
سؤال يحوم في الأجواء
(ليييه ناس «لا للحرب» والعاملين نفسهم محايدين بقوموا الدنيا وما بقعدوها لمن مصر تضرب الدهابة، بينما ردود فعلهم ضعيفة تجاه المسيّرات التي تنطلق من إثيوبيا؟)
قبل أن أجيب عن هذا السؤال، سأطرح سؤالًا للصامتين عن الاحتلال المصري للأراضي السودانية، ومحاولة مصر التوغل للسيطرة على وادي العلاقي السوداني الغني جدًا بالذهب.
الصامتون بحجة أن مصر مقدور عليها، وبعد انتهاء الحرب سنحرك دعوى ضدها في الأمم المتحدة ونسترد أراضينا، التي تشهد كل خرائط الأرض الرسمية في المؤسسات العالمية بأنها سودانية، مع أن بعض المصريين اجتهدوا في ملء الإنترنت بخرائط وقصص مزورة تثبت تبعية هذه المناطق لمصر، ولكن المؤسسات العدلية العالمية لا تعتمد على قصص وخرائط الإنترنت، ذلك والحمد لله.
سؤالي هو: إذا سيطرت مصر على هذه الأراضي، هل تعتقد أنها ستسمح لحرب السودان بالتوقف؟ الحكومة المصرية تعلم علم اليقين أن السودان قادر على استرداد هذه الأراضي بالقانون الدولي، في جلسة واحدة جادة في الأمم المتحدة، فهل ستسمح الحكومة المصرية للسودان بالاستقرار؟
نأتي لإجابة سؤال الأجواء. أنا بشكل شخصي صوتي عالٍ ضد الهجمات المصرية للأسباب التالية:
أولًا: المسيّرات التي تنطلق من إثيوبيا تجد من الجيش والمساندين له ردود فعل دفاعية ومحاولات إسقاط وشجب ومقاومة، وهذا يجنب المواطنين بعض الأضرار، ولا يسمح بمرور هذه الجريمة مرور الكرام، ويحفظ حق الشعب السوداني في الرد. وهذا هو رد الفعل الطبيعي في حالة وصول طيران أو مسيّرة إلى مناطق تخضع لحماية جهة عسكرية أو مؤسسة.
بينما في حالة الهجوم المصري على الدهابة، تغض الدولة الطرف عن دخول هذه الطائرات، وتسمح لها بالوصول إلى المواطنين السودانيين العزّل، وتنفذ فيهم كل أهدافها، وتنسحب عائدة دون أن يطالها حجر، ولا حتى سؤال: لماذا؟
ثانيًا: الجهة التي تطلق هذه المسيّرات من داخل إثيوبيا هي جهة معادية للموجودين في مناطق سيطرة الجيش، وعداؤها معلن، وهي في حرب مع الجيش؛ لذلك تتجه مسيّراتها إلى مناطق سيطرة الجيش، دون أن تهتم بالمواطن الأعزل. إذًا، ما يحدث متوقع ويخضع للمنطق، وإن خرج عن الأخلاق والإنسانية والجوار.
بينما الدولة المصرية تقول إنها تساند المؤسسة العسكرية السودانية، وإنها صديقة وحريصة على الشعب السوداني ومؤسساته، وتقوم بتنفيذ هذه الضربات في مناطق خاضعة لسيطرة الجيش السوداني وليس الدعم السريع، مستهدفة مواطنين سودانيين مدنيين يعدّنون في أرضهم تحت حماية نفس الجيش، ماسحة بكرامة المؤسسة العسكرية والأمنية السودانية الأرض، وهي تدّعي أنها تساندها، في انتهاك صارخ للإنسانية والأخلاق والجوار والاتفاقيات الثنائية والدولية، هذا التعدي ومسح الارض بالكرامة يتم امام الشعب والعالم الذي يراقب ويعلم.
ثالثًا: مصر تدّعي أن هذه أرضها، وأن المعدّنين ينتهكون الحدود المصرية، بينما القاصي والداني يعلم أن هذه أرض سودانية وفقًا لخرائط الأمم المتحدة، فضلًا عن وجودها خارج المنطقة المتنازع عليها أصلًا.
وحتى في حلايب، كانت هنالك حامية سودانية داخل حلايب وشلاتين حتى تاريخ محاولة اغتيال حسني مبارك، وبعد العملية الفاشلة توغلت فرق من الجيش المصري وأجلت الحامية السودانية، وصمتت حكومة الإنقاذ لأنها كانت مذنبة وارتكبت جريمة نكراء، فصمتت عن هذا الاحتلال.
إذًا، السؤال هو: ما الفرق بين الدعم السريع الذي احتل الخرطوم ونصف السودان، وبين مصر التي تحتل حلايب وتسعى لتوسعة احتلالها لأراضي الشمال؟
عيب أن تصمت مؤسسة الدولة العسكرية عن تطاول دولة أخرى بكل هذا الصلف والعنجهية، فقط لأنهم في حاجة إلى فتات دعمها، كما سكتت في 1995 عندما احتلوا حلايب.
رابعًا: إذا كانوا هؤلاء عصابات داخل الحدود السودانية وتابعين للدعم السريع، كما يقال، فلماذا سمح الجيش لهم بالتواجد في تلك المناطق؟ ولماذا لا يقبض عليهم الجيش ويصادر أسلحتهم ويحاكمهم ويؤمّن مواطني الشمال؟
وأخيرًا، لدي رسالة للجان الإلكترونية المصرية أو الذباب الإلكتروني الذين يسوّقون فكرة أن مصر قوية وقادرة، وأنها «تعمل فيكم وتعمل فيكم يا أولاد البوابين».
أولًا، هذا البواب الأسمر هو صعيدي من عندك، لا يوجد بواب سوداني واحد في مصر، لا تاريخيًا ولا حديثًا. لن تجد سودانيًا واحدًا أبوه كان بوابًا عند مصري. إذا لم يكن البواب صعيديًا، إذًا هو نوبي من أبناء أسوان. إذا كنت متبرئًا منهم عشان اللون، فلا مانع للسودان من احتوائهم وضمهم إلينا. أهلًا بهم إذا انفصلوا عنكم بحجة عنصريّتكم وتبرؤكم منهم.
الأمر الثاني: الحكومة المصرية ليست قوية، وإنما انتهازية، تعرف كيف تلتقط الضباع وتغذيهم لينهشوا جسد بلادنا، وللأسف أغلبهم ينتمون للجيش، لذلك يفرضون خيار مصر بالسلاح.
لا يوجد مواطن سوداني مدني واحد سينفذ أجندة حكومة مصر على حساب السودان، والدليل على أن الحكومة المصرية انتهازية فقط، وأنها وجدت ضالتها في بعض الضباط السودانيين، أنها لن تستطيع تحريك حجر من مكانه داخل دولة خليجية، بينما يحدث العكس، لأن الخليج لا يحكمه العسكر.
ولو كانت مصر قوية لكانت أوجدت حاكمًا في إثيوبيا يواليها، واجتثت التهديد كما تفعل الدول القوية فعلًا.
مافعلته مصر في السودان أنها ساندت الإخوان المسلمين الذين ثار عليهم الشعب ورفضهم وكشف جرائمهم، فاستلمت مصر هذا البلطجي الإخوانجي ووظفته تابعًا عندها، لأنه لا سبيل له إلا العمالة وخيانة بلده ليعود للحكم.
وللمفارقة، مصر تخلصت من الحكم الإخواني بعد سنة واحدة من وصول أول رئيس مصري (مدني) منتخب للحكم، بعد آخر فرعون حكم مصر سنة 332 قبل الميلاد، فمن تلاهم كانوا غير مصريين، وأول مصري حكم مصر بعد نختنبو الثاني اخر فرعون كان محمد نجيب عسكريًا، ولا يزال.





