
ارتبط صوت المدفع بالحرب والخوف والهلع، ولكن في زمانٍ بعيد، وقبل ظهور التكنولوجيا والحداثة وتطور العلوم وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي، كان صوت المدفع يترقبه سكان مدني، بل كل مديريات السودان، وكذلك أقطار العالم العربي، بحبورٍ وفرح، لأنه إعلانٌ لموعد الإفطار في شهر رمضان الكريم.
فقد انتهج هذه العادة سلاطين الدولة العثمانية تعظيماً لفريضة الصيام، وأيضاً لتوسع المدن وزيادة عدد السكان، الأمر الذي جعل من الصعوبة وصول صوت المؤذن، فاستُبدل بصوت المدفع الفشنك لإعلان الإفطار.
ونُقلت هذه العادة إلى السودان في فترة الاستعمار التركي، وكان صوت المدفع من جماليات الشهر المبارك، لأن إنسان السودان لم يعرفه كسلاح استُخدم ضده في ذلك الوقت، حيث دخل المستعمر التركي البلاد دون مقاومة، فبالتالي لم يستنكر السودانيون استخدام صوت المدفع لإعلان الإفطار في رمضان.
وظلت تلك العادة خالدة لحقبٍ زمنية طويلة في السودان، وفي أم المدائن مدني تحديداً، كان مدفع رمضان أمام مبنى المديرية، متوجهاً صوب (البحر)، وكان من المعالم الفلكلورية للمدينة حتى وقت قريب، يرجع إلى ثمانينيات القرن الماضي، حتى بعد ظهور مكبرات الصوت في المساجد، وظهور الإذاعة والتلفزيون، وساعات اليد، وكل تلك الأشياء الحديثة التي يمكن بها معرفة موعد الإفطار.
وارتبط صوت المدفع في رمضان بألعاب الأطفال تحديداً في هذا الشهر، حيث ابتكر الصبيان صناعة مدفع صغير من قصاصات الحدادين، يصنعونه بأيديهم بأحجام مختلفة، ويُضاف إليه بارود الكبريت، ويُسحن بصباعٍ رقيق من الحديد مربوط مع الشكل القرطاسي لمدفعهم ذاك، ويُضرب ليصدر صوتاً يرتفع دويه بكمية البارود المسحون داخله، وكذلك يدل الصوت على قوة وشجاعة حامله من الأطفال.
ثم مع تطور الزمن ظهرت الألعاب النارية، وأصبح الأطفال يستخدمونها بعد الإفطار فرحةً وبهجةً بهذا الشهر المبارك، وفي كثير من أحياء مدني، وبسبب ارتفاع أسعار الألعاب النارية، استبدلها الأطفال بـ(ليف الجلاي) رغم خطورته!
وبعد الحرب اللعينة، ومعرفة صوت المدفع لأول مرة كسلاحٍ يحصد أرواحنا ويدمر مدننا، لا أظن أن نفوسنا تستطيع أن تسمع ذلك الصوت مرةً أخرى بتلك الفرحة والترقب الروحي والحضور الوجداني كما كان في السابق، من المظاهر التراثية للبلدان الإسلامية تعظيماً لشعيرة الصوم، والتي ما زالت بعض البلدان الإسلامية المتطورة حتى اليوم تستخدمه.
ونحمد الله أن عاد رمضان، وعادت أم المدائن في أمنٍ وأمان، بلا صوت مدفع ولا مدافع، وارتفع صوت المساجد بالأذان، وامتلأت الشوارع والساحات بموائد الإفطار، وعاد الأطفال إلى الشوارع بصخب، وتعالت أصواتهم فرحاً وأمناً وأماناً، يرددون السحور… السحور بإيقاعات مختلفة: (غتاية حلة وباقة وكمشة ملاح وجردل أبري وبستلة اللبن)..
ورمضان أحلى في مدني. 🌙✨





