راي

*د. محمد احمد بابو نواي يكتب .. نتمنى أن تقف الحرب يوما ما وتسكت أصوات الرصاص والمدافع وأزيز الطائرات الحربيه والطائرات المسيرة لكي نكتشف ماذا تبقى لنا من الوطن* ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

 

إننا نتوقع في يوما من الايام يشرق لنا الصباح بعد ليل طويل ومظلم لنتفاجأ بأننا بلا دوي للمدافع و لا أصوات للرصاص ولا أزيز للطائرات الحربية و الطائرات المسيرة فنخرج في ذلك اليوم لنستقبل بشريات السلام المنتظر ونستقبل عافية الوطن التي كنا نحلم بها لاعوام عديده وسنين مديده ولكننا في ذلك اليوم نتفاجأ أيضا بأننا لا نجد وجوهنا التي كنا نعرفها قبل أن تبدأ فصول تلك الحرب القاسية و اللعينة .

في تلك الحظات والايام والسنين نكتشف أن الضرر الذي خلفته الحرب لا يقاس بما سقط من أسقف المباني ولا بما تعطل من الطرق والكباري بل نكتشف أن الضرر الحقيقي لهذه الحرب كان يتمثل في الزمن الذي أُخذته من بين أيدينا ونحن في غفلة و كنا نراقبه يمر من بين أيدينا من دون استطاعتنتا ان نفعل شيئا لنوقفه من المرور…. عندها سنتحسر على السنوات التي كان يمكن أن تُقضى في فصول ومقاعد الدراسه أو في مكاتب العمل……. أوفي بيوتنا التي بنيناها بجهدنا وعرقنا طوبه طوبه ……. أوفي أفراحنا الصغيرة أو الكبيرة التي كنا نرتبها على مهل…. مضت منا تلك السنوات في الترقب ومن ثم في التنقل، ثم في محاولة النجاة من الموت والمصائب .

وحين تسكت تلك أصوات المدافع وأزيز الطائرات المسيرة……. أخيراً سوف نحاول الرجوع إلى الأماكن التي كنا نحفظ تفاصيلها ونمشي في شوارعها ونحيي الجدران والحوائط و لكن في هذه اللحظات…… هناك الكثيرين من الأهل والأقارب والأبناء والجيران لن نجدهم ولن نلتقي بهم أبداً……. نجد أن كثر من الأباء رحلوا قبل أن يشهدوا ما كانوا ينتظرونة عند نهاية الحرب……. ونجد الأمهات أنهكهن الغياب فأوصدن أعينهن قبل الوصول الديار الخاليه ………والأطفال كبرت ملامحهم على أصوات لا تشبه أصوات الطفولة التي الفوها…… فصار الصمت عندهم لغة جديدة يتعلمونها كل يوم .

نكتشف أن أوجاع الحرب لم تكتفي فقط بقتل وانهاك الأجساد بل محت وأزالت الحرب إحتمالاً كاملاً للحياة…… حيث محت وظيفة لم تُمنح ولم تبدأ بعد…… و محت زواجاً تأجل…… و محت طفلاً لم يأت إلى بيت آمن……. و محت بيت جد بقي صورة معلقة في الحكايات……. ومحت أياماً كان من حق الناس أن يعيشوها باطمئنان وسلام وإستقرار .

وعندما نحاول أن نراجع ما خسرنا ه في سنين الحرب هذه سنجد أن الدفاتر ضيقة لا تستطيع أن تتحمل حصر الخسائر…… فبأي ميزان نستطيع أن نزن عمراً تبدد في الانتظار؟ وبأي لغة نشرح معاناة أمّاً عاشت على أمل لقاء إبنها أو زوجها أو أباها ولكن لم يكتمل اللقاء ؟ بأي حساب أرقام ندرج صديقاً كان جزءاً من يومياتنا ثم صار اسمه فجأة يُذكر في الدعاء له بالرحمه والمغفره ؟ وبأي طريقة نشرح لاطفالنا أن لوطن كان مأوى فصار سؤالاً نردده في داخلنا؟

سيُطلب منا بعد ذلك أن نشرع من جديد في ترميم الوطن لنمحوا أثار ما دمرته الحرب….. و لكننا نجد في تلك اللحظه أن نقطة البداية نفسها تحتاج إلى ترميم من جديد…….. في تلك اللحظه نرث مدارس متصدعة وأخرى مهدمه……. و نرث مستشفيات منهكة وبيوتاً خربة تحتاج سواعد الشباب لتبنيها من جديد……. و نرث قلوباً تحتاج وقتاً حتى تهدأ وتتعود على نسيان الألم والمعاناة…… وسيأتي من بعدنا من يسألنا بهدوء: كيف وصل بنا الحال إلى هذا؟ و وفي تلك اللحظه ربما لم نجد ما نقوله له سوى أننا دفعنا ثمناً غالياً من عمرنا لأننا واجهنا بعضنا بعضا بقسوة بدلآ من أن نُسند بعضنا البعض فكانت النتيجة دمارنا ودمار الوطن .

سوف نكتشف أن السكينة ستوقف إطلاق النار نعم ولكنها وحدها لا تعيد إلينا من فقدناهم في هذه الحرب…… ولا ترد لنا ما انقضى من أعمارنا منالأعوام….. ولا تُرجع لنا المكان الذي كنا فيه كما كان….. ولا ترجع الناس كما عرفناهم زمان……. ولا دواخل الناس كما كانت قبل ذلك……. ومع ذلك سوف نرجع……. لا لأن العودة سهلة و يسيرة……. بل لأننا لا نملك وطنآ بديل نتركه لأبنائنا.

لكننا سنرجع بما تبقى لدينا من عزيمية…… وسنقف وسط ما انهار من كل شيء في ديارنا ونحاول أن نرفعه من جديد…… سنغرس من الأشجار ما يستظلل به من يأتون بعدنا…… ونرمم من المدارس والجامعات ما يتعلم فيه من لم يولدوا بعد…… ونعلم أبناءنا الانتماء لأرض أرهقتها الحروب والتجارب…… دون أن نُورثهم خيراتها…….. ولكن الدرس الذي يجب أن نتعلمه من كل هذا الدمار والخراب الذي طال كل شي في هذا الوطن أصبح واضحاً وضوح الشمس في كبد السماء ألا وهو : لا غالب ولا مغلوب ولا منتصر ولا مهزوم في وطن يخسر أبناءه بعضهم البعض لا لشى بل طمع كرسي الحكم ومطاردة أوهام الدنيا الفانيه .

اللهم احفظ السودان وأهله الطيبين . اللهم أبدل الخوف طمأنينة، والفرقة والشتات الي إلفة ومحبه وتسامح ، والتعب إلى راحة. اللهم إني أستودعك ديارنا وبلادنا فاجعل ما فات من الصعاب والمحن والمصائب خاتمة للوجع، واجعل القادم بداية للإعمار والاستقرار……..اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن….. اللهم الهمنا الصواب من القول والعمل…… آمين.
د. محمد احمد بابو نواي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى