حسن ابوالريش يكتب .. كوش تسرع بيديها إلى السماء.. صلاة من أجل السودان لوقف الحرب والسلام والتنمية والنهضة ــ بعانخي برس
بعانخي برس

في مشهدٍ يحمل دلالات تتجاوز حدود المناسبة، رفعت أيادٍ سودانية دعاءها إلى السماء من أجل السودان، تحت شعار «كوش تسرع بيديها إلى الله»، في يومٍ للصلاة من أجل السلام، نظمّه مجلس الكنائس السوداني، بحضور وتشريف رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، ونائب رئيس مجلس السيادة الفريق مالك عقار، وعدد من القيادات الدينية والمجتمعية.
لم تكن الصلاة في هذا المشهد مجرد طقس ديني، وإنما حملت رسالة وطنية وإنسانية واسعة: أن تتوقف الحرب، وأن يصمت صوت البنادق والمدافع، وأن يجد السودانيون طريقهم إلى السلام، ثم إلى إعادة بناء وطن أنهكته الحرب.ان
اختيار شعار «كوش تسرع بيديها إلى الله» يحمل دلالة خاصة في الوجدان السوداني؛ فكوش ليست مجرد اسم من الماضي، وإنما جزء من تاريخ السودان وحضارته الممتدة. ومن هنا تبدو الصورة أكثر اتساعاً: كوش التي تركت آثارها على الأرض، ترفع اليوم يديها إلى السماء طلباً للسلام، بينما يرفع السودانيون معها دعاءهم من أجل وطن جديد.
إنها صورة تختصر رحلة السودان من التاريخ إلى الحاضر، ومن الحرب إلى السلام، ومن السلام إلى التنمية والنهضة.
وفي كلمته، أكد رئيس مجلس السيادة أن الصلاة جاءت لتجمع السودانيين حول السلام والمحبة والإخاء، مشدداً على أن الأديان تدعو إلى المحبة، وأن الدعوات ينبغي أن تتجه إلى حفظ السودان أرضاً وشعباً، ورفض الحرب والدمار والكراهية.
كما أكد نائب رئيس مجلس السيادة الفريق مالك عقار أن الأديان تدعو إلى السلام، وأن الاختلاف الذي يتحول إلى صراع هو من صنع البشر، مشيراً إلى ما يحمله السودان من تاريخ وأرض مباركة.
ويأتي يوم الصلاة في وقتٍ ظل فيه مجلس الكنائس السوداني ورجال الدين المسيحي جزءاً من المشهد الاجتماعي والإنساني في البلاد خلال سنوات الحرب، وسط ظروف قاسية طالت الكنائس والمجتمعات المحلية مثلما طالت بقية السودانيين.
وفي المناسبة، وجّه رئيس مجلس الكنائس السوداني القس عزالدين علي رسالة إلى القساوسة الموجودين داخل السودان وخارجه، مؤكداً الحاجة إلى تضافر الجهود من أجل الوطن، وداعياً إلى الابتعاد عن إدخال الآخرين في الصراعات السياسية، وترك الحرب والاتجاه نحو السلام.
وكانت الرسالة واضحة: السودان يحتاج إلى أبنائه جميعاً، وإلى أن تتحول الصلاة من دعاء إلى عمل من أجل السلام والنهضة.
لوحة من الكنائس.. أصوات مختلفة ودعاء واحد
وشاركت كنائس سودانية متعددة في الفعالية، وتنوعت الترانيم والصلوات خلال البرنامج، في لوحة روحية جمعت أصواتاً مختلفة حول رسالة واحدة: السلام للسودان.
تعددت الترانيم، لكن الدعاء كان واحداً؛ وتنوعت الكنائس، لكن الهم كان واحداً؛ وطن يريد أهله أن يعودوا إلى حياتهم الطبيعية، وأن يأمن الأطفال، ويعود النازحون، وتلتئم الأسر، وتعود المدارس والأسواق والمصانع والمزارع إلى العمل.
وفي هذه الصورة تبدو الصلاة لغةً مشتركة، تتجاوز الاختلافات وتضع الإنسان السوداني في مركز الاهتمام.
التعايش.. تقليد سوداني يحتاج إلى الحماية
والحديث عن السلام في السودان لا ينبغي أن يتوقف عند إسكات صوت السلاح، فهناك سلام آخر لا يقل وأهمية: السلام بين مكونات المجتمع فالسودان بطبيعته بلد متعدد الأديان والثقافات والأعراق والمناطق، وظل التعايش بين مكوناته جزءاً من حياته الاجتماعية. ولذلك فإن حماية روح التسامح ونبذ الكراهية ومحاصرة الفتن والتناحر القبلي والمجتمعي تمثل مسؤولية جماعية.
ومن الذاكرة السودانية تبرز نماذج للتواصل بين المسلمين والمسيحيين، ومنها موائد الإفطار الرمضاني التي شهدت مشاركة مسلمين ومسيحيين، وهي صورة تعكس تقاليد اجتماعية سودانية تقوم على المشاركة والتواصل واحترام الآخر.
ومن مائدة الإفطار إلى مائدة الصلاة، تبقى الرسالة واحدة: السودان يسع الجميع، والمحبة يمكن أن تكون جسراً بين أبناء الوطن الواحد.فالسلام للسودان كله
السلام الذي يحتاجه السودان ليس سلاماً لمنطقة دون أخرى، ولا سلاماً لمجموعة دون غيرها؛ وإنما سلامٌ يشمل السودان كله.
سلامٌ يتوقف معه صوت البنادق والمدافع، وتبدأ معه عودة النازحين والمهجرين، وتلتئم الأسر، وتعود الحياة إلى المدن والقرى، وتفتح الطرق، وتعود المدارس والمستشفيات والأسواق إلى العمل.
فالسلام الحقيقي لا يكتمل فقط بوقف إطلاق النار، وإنما عندما يشعر المواطن بالأمان في بيته، وفي طريقه، وفي سوقه، وفي مزرعته، وعندما يستطيع أن يفكر في مستقبله بدلاً من التفكير في كيفية النجاة من الحرب.
والصلاة جأت لتحقيق السلام ومن اجل السودان
وهنا تبدأ المرحلة الأكبر: ماذا بعد السلام؟
بعد أن تصمت المدافع، يجب أن تتحدث الأرض.
السودان يمتلك أراضي زراعية واسعة، ومياه، وثروة حيوانية، وموارد معدنية، وثروات طبيعية، وموقعاً جغرافياً يمكن أن يجعله جسراً بين مناطق واسعة من القارة والعالم العربي.
لذلك فإن السلام يجب أن يكون بوابة لتحويل السودان من بلد أنهكته الحرب إلى بلد منتج؛ من بلد يبحث عن المساعدات إلى بلد يستثمر موارده؛ ومن بلد تفرقت طاقاته إلى دولة تجمع أبناءها حول الإنتاج والعمل والتنمية.
تعود الزراعة إلى الأرض، وتعود المصانع إلى الإنتاج، وتتحرك التجارة، وتُفتح الطرق، وتُبنى البنية التحتية، وتدخل الاستثمارات، ويشارك أبناء السودان في الداخل دك والخارج في مشروع وطني جديد.
كوش ترفع يديها للسلام.. ويديها تبنيان المستقبل
وربما هنا تكتمل دلالة الشعار: «كوش تسرع بيديها إلى الله».
يدٌ ترفع الدعاء إلى السماء من أجل السلام، ويدٌ تمتد إلى الأرض من أجل البناء.
فالسودان لا يريد السلام لمجرد انتهاء الحرب، وإنما يريد السلام لكي يبدأ الحياة من جديد؛ لكي يزرع، وينتج، ويصنع، ويستثمر موارده، ويعيد بناء مدنه وقراه، ويمنح أبناءه فرصة لحياة أفضل.
والدولة التي يحلم بها الشعب السوداني ليست دولة الحرب والانقسام، وإنما دولة السلام والاستقرار والإنتاج، دولة تقف بين الأمم بما تملكه من تاريخ وثروات وطاقات بشرية.
وقفة أخيرة
من الصلاة يمكن أن تبدأ الرسالة، ومن السلام يبدأ الطريق، ومن العمل تُبنى النهضة.
ولعل أجمل ما في مشهد الصلاة من أجل السودان أن الأيادي التي ارتفعت إلى السماء كانت تحمل في داخلها أملاً أكبر من مجرد توقف الحرب؛ كانت تحمل أملاً في سودان جديد، يتسع للجميع، ويحمي أبناءه من الكراهية والفتن، ويعيد بناء الثقة بين مكوناته.
كوش ترفع يديها إلى السماء من أجل السلام، ثم تعود اليدان إلى الأرض من أجل البناء.
فإذا سكتت البنادق، يجب أن تبدأ أصوات الحقول والمصانع والأسواق والمدارس؛ وإذا انتهت الحرب، يجب أن يبدأ العمل؛ وإذا تحقق السلام، يجب أن تتحول موارد السودان إلى حياة أفضل لشعبه.
ذلك هو السودان الذي يحلم به أبناؤه: سودان السلام، وسودان الإنتاج، وسودان التنمية والنهضة، وسودان يعود إلى مكانته بين الأمم بعزيمة أبنائه وإصرارهم.
مع خالص ودي وتقديري
الاحد 20 سبتمبر 2026





