راي

مرفأ الكلمات ــ عثمان عولي ــ خطاب البرهان الخارجي.. هل يلبي طموح الداخل؟ ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

بين رسائل الدولة إلى العالم وتطلعات الشعب السوداني في الداخل، تتسع المسافة التي لا تردمها الكلمات وحدها، بل تحسمها المواقف والقرارات وبناء الدولة من جديد.
في الخطاب الذي وجهه رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، إلى المشاركين في أحد المنتديات الدولية، حضرت قضية السودان بقوة، وحضرت معها معاناة شعبه، وحجم الدمار الذي طال مؤسسات الدولة وبنيتها التحتية ومقدراتها الحضارية. كان خطاباً يحمل رسائل إلى الأشقاء والأصدقاء، ويستنهض المجتمع الدولي للمساهمة في إعادة إعمار السودان، ويؤكد عزم الدولة على تجاوز آثار الحرب واستعادة عافيتها.
ولا شك أن مخاطبة العالم بلغة المصالح والشراكات والتنمية وإعادة الإعمار أمر مهم، فالسودان يحتاج إلى أصدقائه وشركائه، ويحتاج إلى تحالفات دولية وإقليمية تساعده على النهوض من تحت ركام الحرب. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل يلتقي الخطاب الخارجي مع طموح الداخل؟ وهل تعكس الرسائل الموجهة إلى العالم حجم التطلعات التي يحملها الشعب السوداني؟
أقولها بوضوح: إن طموح الشعب السوداني أكبر بكثير من مجرد الحديث عن إعادة إعمار المدن، أو الحصول على دعم دولي لإعادة تأهيل البنية التحتية. فالسودانيون لا يريدون إعادة بناء المباني وحدها، وإنما يريدون بناء دولة لا تتكرر فيها المأساة، ودولة تمتلك قرارها وسيادتها، وتحمي مواطنيها، وتصون كرامتهم، وتمنع عودة أسباب الحرب من جديد.
لقد دفع الشعب السوداني ثمناً باهظاً، وقدم من التضحيات ما يجعل من حقه أن ينتظر مرحلة مختلفة تماماً. مرحلة لا تكون فيها التسويات السياسية على حساب دماء الضحايا، ولا تكون فيها عودة المليشيا إلى المشهد السياسي أو العسكري تحت أي مسمى، ولا إعادة إنتاج القوى التي ساهمت في صناعة هذه المأساة.
وهنا لا بد من التمييز بين الموقف من المليشيا وبين المواقف السياسية والاجتماعية التي صنعت لها غطاءً أو وفرت لها سنداً. فالسودان الذي يتطلع إليه المواطنون لا يمكن أن يسمح بإعادة تدوير التجربة ذاتها؛ فلا مكان في مستقبل الدولة لمن ثبت تورطه في الجرائم أو شارك في التخطيط لها أو وفر لها الدعم والغطاء السياسي والاجتماعي والإعلامي. ولا ينبغي أن تتحول المسؤولية الوطنية إلى حصانة من المحاسبة، أو أن تكون المصالحات السياسية باباً للإفلات من العدالة.
إن الموقف من هذه الحرب يجب أن يكون واضحاً وحاسماً: لا عودة للدعم السريع بوصفه مليشيا أو قوة موازية لمؤسسات الدولة، ولا شرعية سياسية لمن ثبتت مشاركته في جرائمه أو دعمه لها. أما المسؤولية الفردية، فتحددها العدالة والقانون والأدلة، بعيداً عن التعميم والانتقام، حتى لا تتحول مرحلة ما بعد الحرب إلى دائرة جديدة من الإقصاء والصراع.
ومن هنا تبدأ مسؤولية القيادة. فالخطاب الخارجي، مهما بلغت أهميته، لن يكتمل أثره ما لم تصاحبه رؤية داخلية واضحة تعيد ترتيب البيت السوداني. نحتاج إلى سياسة داخلية تقوم على سيادة القانون، وبناء مؤسسات الدولة، وإصلاح الخدمة المدنية، وتحقيق العدالة، واستعادة الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم. ونحتاج إلى سياسة خارجية متوازنة، تحترم مصالح السودان، وتبني علاقاته على الندية والاحترام المتبادل، لا على الارتهان لمحاور أو انتظار حلول الآخرين.
كما أن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تكون مجرد مشروعات إسمنت وطرق وجسور، بل مشروعاً وطنياً شاملاً يعيد الحياة إلى المدن والقرى، ويعيد النازحين واللاجئين إلى ديارهم، ويعالج آثار الحرب الاجتماعية والنفسية، ويعيد فتح المدارس والمستشفيات والجامعات، ويوفر فرص العمل للشباب، ويمنح الأجيال القادمة حقها في وطن آمن ومستقر.
ولعل أهم ما ينتظره الداخل من القيادة هو الانتقال من مرحلة إدارة الحرب إلى مرحلة صناعة المستقبل. فالشعب يريد أن يرى ملامح الدولة التي ستولد بعد هذه الحرب، ويريد أن يعرف كيف ستدار المرحلة المقبلة، وما هي معايير المشاركة السياسية، وكيف ستتم المحاسبة، وكيف ستضمن الدولة ألا تتكرر تجربة تعدد الجيوش ومراكز القوة والسلاح خارج مؤسساتها الشرعية.
إن السودان لا يحتاج إلى خطاب يطمئن الخارج فقط، وإنما يحتاج إلى خطاب يطمئن المواطن في بيته، والنازح في معسكره، واللاجئ بعيداً عن وطنه، والموظف الذي ينتظر عودة مؤسسته، والطالب الذي يحلم بمستقبل لم تنكسر ملامحه تحت وطأة الحرب.
أما عبارة الصبر التي وجهها البرهان إلى الشعب السوداني، فهي تعبير عن حجم المعاناة التي يدركها الجميع، لكن الشعب الذي صبر وصمد وقاوم ظروف الحرب لا ينتظر المزيد من الدعوات إلى الصبر بقدر ما ينتظر قرارات تترجم هذا الصبر إلى واقع. يريد أن يرى دولة قوية وعادلة، لا دولة تتعافى من الحرب لتعود إلى أزماتها القديمة.
إن طموح الداخل أكبر من طموح الخطاب الخارجي، لأن الشعب لا يبحث فقط عن إعمار ما دمرته الحرب، بل يبحث عن ضمانات تمنع تكرارها. ولا يريد انتصاراً عسكرياً فحسب، بل يريد انتصار الدولة ومؤسساتها والقانون والعدالة.
فليكن خطاب السودان إلى العالم عنواناً لدولة جديدة، وليكن خطاب القيادة إلى الداخل أكثر وضوحاً وجرأة. دولة لا مكان فيها للمليشيات، ولا للسلاح خارج مؤسساتها، ولا للإفلات من العقاب، ولا لاحتكار الوطن باسم السياسة أو القبيلة أو الجهة.
السودان أكبر من الأشخاص، وأبقى من الأحزاب، وأعظم من المليشيات، وشعبه يستحق أن يعيش في دولة تليق بتضحياته.
وختام مرفأ الكلمات
الشعب السوداني لم يصمد كل هذه السنوات ليعود إلى المربع الأول؛ لقد صمد من أجل وطن لا تحكمه المليشيات، ولا تختطفه المصالح، ولا تضيع فيه حقوق الضحايا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى