ياسر عرمان يكتب … حلم العودة إلى ام دافوق والخرطوم سراب النصر المطلق وانسداد أفق الحرب ــ بعانخي برس
بعانخي برس

ياسر عرمان
العودة إلى الجغرافيا أم إلى منصة التكوين:
يحلم قادة الجيش بالوصول للجنينة وام دافوق عند أقاصي الغرب الحبيب والبعيد معاً، ويحلم قادة الدعم السريع (اشوف نعيم دنيتى وسعوده امتى ارجع لى ام در واعوده) يحلمون بالعودة لضفاف النيل عند الطابية والرابية والقصر والقيادة العامة البعيدة، وفي ذلك يرى الطرفين تعريف حدي وجدي لمقولة “النصر المطلق”.
حرب ١٥ أبريل وصلت لافق مسدود وجمود واضح لابد من كسره لمصلحة ملايين الجوعى والذين يسدّدون فواتير الحرب هذه الايام بطائرات دون طيار والتي تخلق ذاكرة دون وعي وطني يجمع ولا يفرق، وسؤال الناس العاديين وهو السؤال الحقيقي دون فلسفة وتنطع ؛ متى تنتهي الحرب وكيف تنتهي؟ هذا سؤال عميق وعملي يستدعي افكار جديدة.
الجيش كان على سنوات الإنقاذ وحتى انقلاب ٢٥ أكتوبر في ام دافوق والجنينة، فهل استطاع حل قضايا السودان؟ والدعم السريع الم يكن في الخرطوم وبورتسودان البعيدة وكسلا، هل حقق تواجده حل لقضايا السودان؟ ان عاد الدعم السريع لبوابة حرب ١٥ أبريل ورجع للخرطوم، هل سيتمكن من الاجابة على أسئلة السودان التاريخية؟ والسؤال مطروح على الجيش ايضاً، وكلاهما يدركان جيداً ان طول البندقية لا يعطي أجابة سديدة على أسئلة الماضي والحاضر والمستقبل، ونحتاج لطول وعمق الفكرة في كيفية بناء سودان جديد، وشعارات الكرامة والتأسيس شعارات قائمة على طول البندقية، وهنا يكمن قصورها، فاذا كان الشعب يقاد عبر البندقية لقاده عمر البشير الذي يبحث عن مكان للعلاج ولم يبني المستشفى الذي يوفر له العلاج في بلاده، ولا يطرح على نفسه سؤال العدالة للضحايا ونحن مع حقه في العلاج وملتزمون اكثر بإنصاف الضحايا، وعليه الذهاب الى لاهاي مقر المحكمة الجنائية فهي المكان الوحيد الذي يجمع ويوفر له العلاج والعدالة للضحايا.
النصر المطلق في الحروب مفهوم قديم مأخوذ من الدين وكتب التاريخ وسنابك الخيول وطول المدافع وأجنحة الطائرات، ولم يقدم اجابة إلي الكسندر الأكبر وهولاكو، ولازال مقتل الحسين عليه رضوان الله يطل من شرفة التاريخ إلى يومنا هذا.
النصر المطلق كمفهوم عسكري يعتمد على العنف والقوة ولا يطرح السؤال الجوهري حول اسباب العنف واسباب الحرب، فخلف كل دعم سريع سيأتي دعم جديد، ودون معالجة الاسباب فان خلف كل حرب قديمة حرب جديدة.
معالجة اسباب الحرب والوصول لصيغة من صيغ التراضي الوطني لا تعتمد على طول البندقية بل على حوار وطني دستوري حول كيفية حكم السودان، لا يشارك فيه الناس بطول بنادقهم بل بقيمة افكارهم ومصالحهم، ولا يتحقق بنصر مطلق بل بالعودة لمنصة التكوين سواء ان كانت تكوين في ١٩٥٦ أو ١٨٩٨ أو ١٨٨٥ أو ١٨٢١ أو ١٥٠٤ السلطنة الزرقاء أو ٦٤١ عام البقط، أو الرجوع لحضارات وادي النيل القديمة والعودة ليومنا هذا، قبل ان نعود إلى ام دافوق أو الخرطوم.
ان الطائرات دون طيار قبل ان تدمر الناس والبنية التحتية ويختلط دم الناس بالمجاعة والانهيار الاقتصادي، فإنها تدمر المستقبل المشترك، ان الذاكرة السمكية لم تستفد بعد من ثلاث احداث ذات بعد استراتيجي في البناء الوطني، أولها انفصال او استقلال جنوب السودان كحدث داوي، وثانيها الإبادة الجماعية وجرائم الحرب وآخرها حرب ١٥ أبريل التي يجب ان تنتج وعياً جديداً بأسباب الحرب وكيفية مخاطبتها وعدم الاكتفاء بادانتها حتى نصل لسلام مستدام لن تجلبه العودة إلى ام دافوق او الخرطوم.
انسداد أفق الحرب أول إعراضه هي ان اطراف الحرب تداوي نفسها بالتي كانت هي الداء وتعالج الحرب بالحرب وتطارد سراب النصر المطلق، لم تستفد من دروس بلادنا ودروس حروب الجوار، ففي بعض البلدان تم استبدال الجيوش عنوة اربع مرات ونحن أحياء وشهود، ولم تعالج جذور الحرب، فهزيمة الجيش واقتلاعه من جذوره ستنبت على قناة الهزيمة جيش جديد، وإلحاق الهزيمة النهائية بالدعم السريع لن تحقق حل قضايا السودان، والسؤال الأهم؛ هل هنالك اجابة سياسية لسؤال النصر المطلق ذو الابعاد العسكرية؟ وهل يمكن الوصول لحلول سياسية للوصول لام دافوق والخرطوم عبر فكرة لا عبر البندقية؟ تلك مهمة العقل السياسي السوداني في أفضل تجلياته.
اسباب هذه الحرب وجذورها تكمن في احتقار واهمال الريف ومناهج التنمية التي لا تنتج خبزاً ولا توفر عملاً ورفض المواطنة بلا تمييز، وغياب الحرية والطعام والعدالة، وكل ما اقتربنا من العدالة اقتربنا نحو السلام.
البنادق المشاركة في هذه الحرب نتجت من انهيار وفقر الريف وترييف المدن والعطالة والبطالة التي يعاني منها ملايين الشباب من جيل (Z ) المشرئب على المستقبل ومن هم قبله، ولا سلام مستدام إلا بإحداث علاقة عضوية بين الريف والمدينة واعادة وجه الريف المنتج، واحترام المواطنة بلا تمييز والتداول السلمي للسلطة.
هل بالإمكان الدعوة لمؤتمر بين كافة المنابر الديمقراطية ورايات ثورة ديسمبر المتنوعة للوصول لإعلان للمبادئ لوقف وانهاء الحرب والانتقال من العموميات لجوهر قضايا وقف الحرب وحشد اوسع جبهة لتأييد إعلان المبادئ والتنسيق بين كافة المنابر الديمقراطية، وان يكون إعلان المبادئ واضحاً وبسيطاً ويستفيد من المجهودات الوطنية والاقليمية والدولية، يقوم على بناء جيش واحد وحل كل التشكيلات خارجه واستبعاد الإسلاميين من مكونات القطاع الامني والعسكري، وانهاء اختطافهم للدولة، وانتقال مدني ديمقراطي يعترف بالتغيير الذي احدثته ثورة ديسمبر وانهاء التمكين والإفلات من العقاب، وبرنامج اقتصادي يوسع مظلة الدولة القاصرة لتشمل الريف وقوى الهامش في المدن المهملة، والاعتراف بحق الآخرين بان يكونوا آخرين.
علينا مخاطبة مخاوف الجيش والدعم السريع ورفض اطماعهم ومخاطبة قضايا وقف اطلاق النار والانتقال من سراب النصر المطلق وحق كافة السودانيين في الوصول لام دافوق والخرطوم عبر تراضي وطني لا عبر البندقية.
٣٠ أكتوبر ٢٠٢٦





