شاكر مختار يكتب .. من كمبالا إلى الجزيرة.. هل يجد السودان في التجربة اليوغندية مخرجاً لأزمة النازحين؟ ــ بعانخي برس
بعانخي برس

لم تعد قضية النزوح في السودان مجرد ملف إنساني عابر يمكن التعامل معه عبر المساعدات الطارئة والإغاثات الموسمية، بل أصبحت واحدة من أكبر تحديات الدولة السودانية، وأكثر الملفات إلحاحاً على طاولة الحكومة والمجتمع الدولي.
فالحرب التي أرهقت البلاد دفعت أعداداً كبيرة من المواطنين إلى مغادرة مناطقهم، بعضهم إلى ولايات أخرى داخل السودان، وآخرون عبروا الحدود بحثاً عن الأمان والاستقرار. ومع استمرار الأزمة، بات السؤال الأكبر هو كيف يمكن الانتقال من إدارة النزوح كأزمة طارئة إلى إدارة هذا الملف ضمن رؤية تنموية مستدامة تحفظ للإنسان كرامته وتعيد له قدرته على بناء حياته؟
من هنا تبدو تجربة يوغندا، التي وقف عليها الوفد السوداني خلال ورشة إقليمية نظمتها الوكالة اليابانية للتعاون الدولي «جايكا» في العاصمة كمبالا، جديرة بالتأمل والدراسة.
الوزير ياسر خضر نصار، وزير التنمية والرعاية الاجتماعية بولاية الجزيرة، عاد من الورشة وهو يحمل انطباعاً واضحاً بأن التجربة اليوغندية يمكن أن تقدم للسودان كثير من الإجابات، خصوصاً في ما يتعلق بإدارة ملف اللاجئين ودمجهم في المجتمعات المضيفة.
لكن أهمية التجربة لا تكمن فقط في استقبال اللاجئ وتوفير المأوى والغذاء، وإنما في التعامل معه باعتباره إنساناً يمتلك القدرة على الإنتاج والمساهمة في المجتمع، إذا توفرت له البيئة المناسبة.
كما ان زيارة الوفد السوداني إلى مستوطنة كرياندونغو للاجئين، ضمن اعمال الورشة كانت الصورة أكثر وضوحاً ، أسر سودانية تعيش هناك وتمارس أنشطة الزراعة والتجارة والتعليم، ضمن مجتمع يضم جنسيات مختلفة ، دون تمييز بينهم وبين مواطن الدولة المستضيفة
وهنا تكمن إحدى أهم الرسائل التي يمكن للسودان التقاطها من التجربة وهي أن النازح واللاجئ ليسا عبئاً دائماً على الدولة والمجتمع، بل يمكن أن يتحولا إلى جزء من عملية التعافي والتنمية إذا أتيحت لهما الفرصة.
السودان اليوم بحاجة إلى التفكير بطريقة مختلفة في ملف النزوح. فالمعالجة التقليدية التي تقوم على إنشاء مراكز إيواء مؤقتة وتقديم الغذاء والدواء لا تكفي وحدها أمام أزمة بهذا الحجم والتعقيد.
لذلك المطلوب هو ربط الإغاثة بالتنمية، والحماية بسبل كسب العيش، والتعليم والصحة بإعادة بناء المجتمعات، مع وضع سياسات واضحة للعائدين والنازحين واللاجئين، تراعي خصوصية كل فئة واحتياجاتها.
وتكتسب ولاية الجزيرة أهمية خاصة في هذا السياق، باعتبارها واحدة من الولايات التي تأثرت بصورة مباشرة بتداعيات الحرب والنزوح، وتحتاج إلى سياسات قادرة على استيعاب الاحتياجات المتزايدة للسكان والنازحين معاً.
ومن بشريات الورشة اليوغندية ان أعلنت وزارة التنمية والرعاية الاجتماعية عن تنظيم ورش متخصصة بالتعاون مع «جايكا»، بولاية الجزيرة، يلي ذلك عمل كبير يتم الاعداد له وقريبا سوف يري النور وفي اعتقادي انه يمثل خطوة يمكن البناء عليها، وتتحول إلى برامج عملية ومشروعات قابلة للتنفيذ.
فالسودان لا تنقصه المؤتمرات، وإنما يحتاج إلى إرادة تنفيذية وخطط واضحة وتمويل وشراكات حقيقية.
*كما أن نقل التجربة اليوغندية لا يعني نسخها كما هي، فلكل بلد ظروفه وتركيبته السكانية والاجتماعية والاقتصادية. المطلوب هو دراسة عناصر النجاح في التجربة، ثم تكييفها مع الواقع السوداني، خصوصاً في مجالات توفير الأراضي، والخدمات الأساسية، والتعليم، والصحة، وفرص العمل، وحماية الفئات الأكثر هشاشة.
وفي المقابل، فإن المجتمع الدولي مطالب بألا ينظر إلى السودان من زاوية المساعدات الإنسانية فقط. فالأزمة السودانية أصبحت أكبر من مجرد احتياج غذائي أو صحي مؤقت ، إنها أزمة مجتمعات تحتاج إلى إعادة بناء، وملايين المواطنين يحتاجون إلى العودة إلى حياة طبيعية ومستقرة.
إذن تجربة يوغندا ليست وصفة جاهزة للسودان، لكنها نافذة يمكن النظر من خلالها إلى طريقة مختلفة في إدارة أزمة النزوح.
والتحدي الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الورش وعودة الوفود ، حين تتحول الأفكار إلى سياسات، والسياسات إلى برامج، والبرامج إلى واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية.
ففي نهاية المطاف، لا يريد النازح أن يبقى نازحاً إلى الأبد، ولا يريد اللاجئ أن يعيش معلقاً بين وطن تركه وواقع جديد فرضته عليه الحرب.
إنه يريد فقط فرصة آمنة ليبدأ حياته من جديد.
وهنا تحديداً، ينبغي أن يبدأ التفكير السوداني.




