راي

شاكر مختار يكتب .. الجمال والحب في بلادي.. السودان أرض الفراديس ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

هناك أماكن لا تكفيها عدسات الكاميرات، ولا تنصفها الكلمات، لأن الله قد نثر فيها من الجمال ما يجعل الحروف تقف عاجزة أمام روعة المشهد. وفي جنوب كردفان، حيث تتعانق الجبال مع الغابات، وتنساب الوديان بين السهول، يبدأ السودان الحقيقي؛ السودان الذي خلقه الله جنةً على الأرض، وأهداه لأهله قبل أن تعرفه الخرائط.
كانت رحلتنا إلى الجبال الشرقية بجنوب كردفان أشبه برحلة في كتاب مفتوح من الجمال الإلهي، حيث تتوالى الفراديس واحدة تلو الأخرى، وكلما ظننت أنك بلغت قمة الدهشة، أخذتك الطبيعة إلى مشهد أكثر سحراً.
أولى المحطات كانت محافظة العباسية تقلي، تلك المملكة الإسلامية العريقة، الضاربة بجذورها في عمق التاريخ. هنا لا تقف عند عظمة الإنسان وحدها، بل عند الجبل الذي يحرس المدينة، والأودية التي تمنح الأرض خصوبتها، والأشجار التي تزين المكان كأنها لوحات مرسومة بعناية الخالق. في العباسية تتجاور الأصالة مع الكرم، ويشعر الزائر منذ اللحظة الأولى أنه بين أهله، وأن التاريخ ما زال حياً في وجوه الناس وطباعهم.
ثم امتدت الرحلة نحو محافظة رشاد، التي لا أبالغ إن قلت إنها جنة الله في الأرض. الطبيعة هنا تتحدث بلغتها الخاصة؛ خضرة لا تنتهي، ومرتفعات تحتضن السحاب، وأمطار تمنح الحياة لكل شيء، ونسائم تحمل عبق الأشجار البرية. في رشاد يصبح التأمل عبادة، ويشعر الإنسان بأنه أمام لوحة ربانية لا يستطيع أعظم الرسامين محاكاتها.
أما عندما وصلت الرحلة إلى أبوجبيهة، فقد عجز القلم عن أداء رسالته. هناك، تتوقف اللغة أمام فيض الجمال، وتكتفي العين بأن تحفظ الصور في الذاكرة. جبال شامخة، وسهول واسعة، وغابات كثيفة، ومياه تنساب بين الصخور في هدوء، وإنسان بسيط يحمل في قلبه من المحبة ما يجعل الزائر يعود إليها مرة بعد أخرى.
في هذه الرحلة أدركت أن جنوب كردفان ليست مجرد بقعة جغرافية، بل رسالة تقول إن السودان، رغم ما مر به من حروب وأزمات، ما زال يحتفظ بوجهه الجميل. ففي هذه الأرض يلتقي التاريخ بالطبيعة، ويلتقي الإنسان بالمحبة، وتلتقي السماء بالأرض في مشهد لا يتكرر إلا هنا.
إنها ثلاث فراديس ،العباسية تقلي، ورشاد، وأبوجبيهة… ثلاث محطات تؤكد أن السودان ليس بلداً للحروب كما يروج البعض، بل وطن للجمال، والتنوع، والتسامح، والحياة.
ولعل أجمل ما خرجنا به من هذه الرحلة أن السودان سيظل أكبر من كل الأزمات، وأن جنوب كردفان ستبقى إحدى أعظم الكنوز الطبيعية والسياحية التي تستحق أن يراها العالم، وأن تُفتح إليها الطرق، وتُقام فيها المشروعات السياحية، لأنها ببساطة قطعة من الجنة، ووجه السودان الذي لا يشيخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى