(خمة نفس) ــ عبدالوهاب السنجك ــ زيارة البرهان إلى روسيا.. هل ستقلب موازين القوة في العالم إذا وافق السودان على قاعدة روسية – سودانية في بورتسودان؟ ــ بعانخي برس
بعانخي برس

الزيارة في حد ذاتها رسالة..
البرهان لا يذهب إلى موسكو للنزهة..
إنه يذهب في توقيت يشتعل فيه العالم.. الولايات المتحدة تضغط، وأوروبا تراقب بصمت، والبحر الأحمر تحول إلى أخطر ممر مائي في العالم بعد حرب غزة وتصعيد الحوثيين في اليمن.
زيارة البرهان تقول للغرب بوضوح: السودان ليس للبيع، ولن يظل رهينة لمزاج واشنطن وباريس ولندن.. لدينا خياراتنا السيادية.
الغرب دعم المليشيا بالصمت والتغاضي.. وروسيا دعمت الجيش بالسلاح وبالفيتو في مجلس الأمن.. شكراً.. هذه هي سياسة المصالح، لا مكان فيها للعواطف.
.. قاعدة البحر الأحمر.. الحلم الروسي القديم المتجدد..
منذ عهد المشير البشير، تحلم روسيا بقاعدة في بورتسودان..
وهذه ليست مجرد قاعدة عسكرية.. إنها مفتاح استراتيجي لباب كبير..
لماذا؟
لأن روسيا تراجعت جزئياً في طرطوس بسوريا، ومحاصرة في البحر الأسود، والبحر المتوسط تحول إلى بحيرة لحلف الناتو..
المنفذ الوحيد الدافئ والمفتوح أمام البحرية الروسية نحو المياه الدولية الساخنة هو البحر الأحمر!!
لو استقرت روسيا في بورتسودان، ستمتلك:
قاعدة تموين وصيانة لسفنها الحربية وغواصاتها النووية.
و عيناً تراقب باب المندب الذي يمر عبره 12% من التجارة العالمية.
وعين أخرى على قناة السويس.
وتهديداً مباشراً للقواعد الأمريكية في جيبوتي.. حيث تتمركز أمريكا وفرنسا والصين واليابان، إلا روسيا.. ولذلك وضعت عينها على البحر الأحمر.
بمعنى آخر.. لو جاءت روسيا إلى بورتسودان، فإن ميزان القوة في البحر الأحمر سينقلب 180 درجة.
ماذا سيستفيد السودان؟!
لا شيء بالمجان..
روسيا ليست جمعية خيرية، والثمن سيكون باهظاً.. فما هو؟!
إذا وافق السودان، سيجني أربع مكاسب كبرى:
أولاً: حماية سياسية..
فيتو روسي – صيني في مجلس الأمن ضد أي محاولة لفرض عقوبات على الجيش أو فرض حظر طيران أو تدخل دولي.. وقد حدث هذا من قبل.
ثانياً: سلاح نوعي..
مقاتلات سوخوي 35، ومنظومات دفاع جوي S400، وطائرات مسيرة وذخائر.. دون اشتراطات حقوق الإنسان التي تفرضها واشنطن وتمنعك من استخدام السلاح الذي اشتريته بمالك!
ثالثاً: استثمارات ضخمة..
روسيا تبحث عن الذهب، والسودان يملك الذهب.. يمكن عقد مقايضة: ذهب مقابل سلاح وتكنولوجيا.. بدلاً من الذهب الذي يُهرب للخارج
رابعاً: كسر العزلة..
الغرب حاصر السودان اقتصادياً.. وروسيا يمكنها كسر هذا الحصار بالقمح والوقود والأسمدة بأسعار تفضيلية.
لكن.. هل السودان مستعد لدفع الثمن؟!
الثمن واضح:
أمريكا ستغضب، وستصنف السودان حليفاً لروسيا، وقد تشدد العقوبات وتدعم المليشيا علناً..
ودول الخليج.. السعودية ومصر.. لن يعجبها وجود روسي قوي في البحر الأحمر بجوارها.. فمصر تعتبر البحر الأحمر أمناً قومياً لها.
وهنا السؤال الجوهري: هل ستكون القاعدة روسية 100% أم تحت السيادة السودانية؟!
البشير كان يريد تأجيرها.. على البرهان أن يضمن سيادة السودان.. أن تكون القاعدة تحت العلم السوداني وبإدارة مشتركة.. لا احتلالاً جديداً!
وهل سيقبل الشعب السوداني قاعدة أجنبية بعد أن طرد قاعدة أمريكية في الماضي؟! أم سنستبدل خواجة بخواجة؟!
نحن السودانيين كلنا سياسيون، وقد نغرق حجرنا بأيدينا.
هل ستقلب موازين القوة في العالم؟!
لو جاء الدب الروسي من الباب الأمامي وتمت القاعدة.. فإن الموازين ستنقلب رأساً على عقب:
على المستوى الإقليمي: سيصبح البحر الأحمر بحيرة روسية – صينية – أمريكية.. حرب باردة جديدة، لكن هذه المرة في مياهنا!!
على المستوى القاري: ستملك روسيا بوابة إلى أفريقيا كلها.. من بورتسودان يمكنها الدخول إلى الساحل والصحراء ووسط أفريقيا.. وهذا سيفشل مشروع الناتو في القارة.
على المستوى الدولي: ستفقد أمريكا احتكارها للبحر الأحمر.. لأول مرة منذ عام 1991، ستكون هناك قوة عظمى أخرى تملك قاعدة ثابتة في أهم ممر مائي في العالم.. وهذا سيجعل واشنطن تفكر ألف مرة قبل أن تهدد السودان أو ترفع إصبعها في وجهه السودان.
خمة نفس أخيرة:
يا برهان..
انت الان في روسيا.. لكن لا تمن ضعيفاً.. كن مرفوع الرأس بجيشك وشعبك..
قل للروس: تريدون قاعدة؟! أهلاً وسهلاً.. لكن بشروطنا نحن، لا بشروطكم:
.. القاعدة تحت السيادة السودانية الكاملة.
.. لا وجود لقوات روسية خارج القاعدة إلا بإذن سوداني.
.. تدريب وتأهيل حقيقي للبحرية السودانية.
.. نقل تكنولوجيا.. ليس سلاحاً فقط.
.. استثمارات حقيقية في بورتسودان.. ميناء.. مصفاة.. كهرباء.
لو عدت بهذه الشروط، تكون قد قلبت موازين القوة لصالح السودان..
أما لو وقعت دونها، فستكون قد جلبت استعماراً جديداً بثوب جديد.. وينطبق عليك المثل: “أب زيد لا غزا ولا شاف الغزوة”.
والشعب واعٍ..
الشعب يريد سيادة.. لا يريد قواعد..
يريد سلاحاً يحمي نفسه به.. لا يريد حماية من أحد..
جيش واحد.. شعب واحد.. وبحر أحمر سوداني.. لا روسي ولا أمريكي.. وهذا هو الكلام بالطريق العدييل





