راي

شيء للوطن ــ م.صلاح غريبة – مصر Ghariba2013@gmail.com ــ سيادة السودان: الفخ الإنساني والشرعية المختطفة ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

 

تتجلى في أوقات الأزمات الكبرى محاولات يائسة لإعادة تعريف “الدولة” خارج أطرها الدستورية والقانونية المعترف بها دولياً. وما نشهده اليوم في السودان من محاولة “المليشيا المتمردة” خلق هياكل موازية تحت لافتة “العمل الإنساني” ليس إلا فصلاً جديداً من فصول الابتزاز السياسي الذي يستهدف وحدة البلاد وشرعيتها السيادية. إن التحذير الصارم الذي وجهته وزارة الخارجية السودانية مؤخراً لوكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي، بل هو “بيان استراتيجي” يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية.
إن لجوء المليشيات المتمردة إلى تأسيس ما يسمى بـ “الهيئة الوطنية للوصول الإنساني” ومطالبة المنظمات الدولية بالتسجيل لديها، يمثل قمة “الهرطقة السياسية”. فالغرض الحقيقي من هذه الخطوة ليس تسهيل تدفق المساعدات إلى المحتاجين، بل هو محاولة “شراء شرعية” دولية من بوابة المعاناة الإنسانية.
عندما تفرض المليشيا مهلة زمنية للتسجيل أو توقيع اتفاقيات فنية، فهي تسعى لتحويل المنظمات الإنسانية إلى “شهود زور” على وجود سلطة أمر واقع موازية. إن الاستجابة لهذه الإملاءات تعني ببساطة الاعتراف الضمني بجسم غير شرعي، وهو ما ينسف جوهر العمل الإنساني الذي يجب أن يظل محايداً وبعيداً عن الأجندات العسكرية وتفتيت مؤسسات الدولة.
يستند الموقف السوداني الرافض لهذه الهياكل الموازية إلى صلب القانون الدولي. فالقرار الصادر عن مجلس الأمن في أغسطس 2025 كان واضحاً وحاسماً في رفض إنشاء أي سلطات موازية في السودان، محذراً من أن أي خطوة في هذا الاتجاه تمثل تهديداً مباشراً للسلم والأمن الإقليميين.
علاوة على ذلك، فإن المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة (لاسيما القرار 46/182) تؤكد على حقائق لا تقبل التأويل باحترام السيادة، فلا يمكن تقديم المساعدة الإنسانية إلا بموافقة البلد المتضرر ومن خلال قنواته الرسمية وبالنظر الى وحدة الأراضي، أي تعامل مع كيانات موازية يكرس لسيناريوهات “البلقانة” أو التقسيم، وهو ما يتنافى مع ميثاق الأمم المتحدة؛ انطلاقا من الحياد التام: إن انخراط المنظمات في صفقات فنية مع “مليشيا” يعني انحيازها طرفاً في الصراع، مما يعرض كوادرها وأهدافها للخطر ويفقدها مصداقيتها الدولية.
إن خطورة التهاون مع مقترحات المليشيا تكمن في خلق سابقة دولية مدمرة. إذا سُمح للمنظمات الدولية بتجاوز مؤسسات الدولة الشرعية في السودان، فإن ذلك سيعطي الضوء الأخضر لكل حركة تمرد في العالم لاستخدام الملف الإنساني وسيلة لانتزاع اعتراف دولي.
إن محاولة المليشيا فرض مكاتب وتوقيع مذكرات تفاهم هي “عملية اختطاف” صريحة للقرار الإنساني. الدولة السودانية، رغم التحديات، تظل هي الجهة الوحيدة القادرة قانوناً ودستورياً على ضمان أمن الموظفين الدوليين، وتنظيم مسارات الإغاثة، والالتزام بالمعاهدات المبرمة.
لا يمكن للمجتمع الدولي أن يتذرع بـ “الضرورة الإنسانية” لانتهاك السيادة الوطنية. إن إيصال الغذاء والدواء يجب أن يمر عبر الأبواب الأمامية للدولة، لا عبر الممرات الخلفية التي تفتحها الكيانات المتمردة. إن تأكيد وزارة الخارجية على “عدم التهاون” هو رسالة موجهة ليس فقط للمليشيا، بل لكل منظمة تعتقد أن بإمكانها العمل في “مناطق رمادية” خارج نطاق القانون السوداني.
ختاماً، إن الحفاظ على وحدة السودان يبدأ من احترام مؤسساته القومية. وعلى وكالات الأمم المتحدة أن تدرك أن “بوصلتها الإنسانية” يجب أن تشير دائماً نحو احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها. إن أي تماهٍ مع الهياكل المزعومة للمليشيا لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الصراع وتعقيد الأزمة الإنسانية، بدلاً من حلها. فالشريعة لا تُمنح لمن ينتهك القانون، والسيادة السودانية ليست ورقة للمساومة في دهاليز العمل الإغاثي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى