راي

(خمة نفس) ــ عبدالوهاب السنجك ــ حاج سيداحمد يجتر ذكريات المراسم ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

 

المشهد:
مذيع نشرة الأخبار يقرأ خبراً عن وصول رئيس الدولة بعد زيارته لإحدى الدول الشقيقة، وهو ينزل من سلم الطائرة ووفود من مجلس الدولة في استقباله وهم متراصون صفاً واحداً.. رجال المراسم في حالة من اليقظة، أعينهم مفتوحة تفادياً لأي خطأ قد يقع.

حاج سيداحمد: ممسكاً بمسبحته، متابع لما يجري بالأخص من موظفي المراسم.. وفجأة بدأ يتمتم: “معقول يا جماعة، زمان ما كنا كدا.. وأصول مسؤول المراسم ما مهمتو يفتح باب العربية ويقفلو.. لا ما ممكن، لازم يكون عارف شغلو تمام.”

كان يتحدث بصوت خافت، ثم التفت نحو صديقه حاج حمد الذي زامله لأكثر من أربعين عاماً وهم ما بين المطار والقصر والمناسبات القومية والاجتماعية والتنقل خارج البلد.. “انت يا حاج حمد دحين شغل المراسم فتح باب العربية للمسؤول وقفلو، ولا في حاجات تانية مفروض الشباب ديل يعرفوها؟ ونحنا حقو ما ندس عليهم حاجة تب، والله لازم يتعلموا عن مهمة مسؤول المراسم. مش كل من هب ودب عايز بواسطة وغير واسطة يبقى زول مراسم وقريب من المسؤول.”

حاج حمد:
“كلامك سمح والله. طيب ما انت وأنا عمرنا كلو شغالين في الشغلة، والحمد لله نزلنا المعاش بشهادة الدرجة الأولى في النظام واللباس القيافة والصبر كمان. كدي كلم أولادنا ديل عشان يرفعوا راسنا فوق..”

حاج سيداحمد:
نفخ نفساً طويلاً وهزّ مسبحته:
“يا حاج حمد، المراسم ما وقفة باب عربية وسلام. المراسم ذوق، وهيبة دولة، وعين فاحصة تشوف الغلط قبل ما يقع.”

“بتذكر سنة 84 لما جاتنا الملكة إليزابيث؟ كنا تلاتة أيام ما بننوم. الترتيب من سلم الطيارة لحد فنجان القهوة في القصر. موظف المراسم لازم يعرف يمشي وين يقيف، متين يتكلم ومتين يسكت. لو الضيف عطس ساي تكون مجهز منديلك قبل ما يمد يدو.”

“ولمن الرئيس نميري الله يرحمه كان مسافر، ما كنا بنفتح باب العربية بس. كنا بنعرف مزاجو، نعرف الصحفيين البيحبهم والبيكرههم، نعرف ترتيب الصف منو الكبير ومنو الصغير. مرة وزير جديد دخل قبل وزير الخارجية، أنا براي سحبتو من كمو وقلت ليهو: يا ابني البروتكول دا ما لعب.”

حاج حمد:
ضحك وختّ كباية الشاي:
“أي والله. أتذكر يوم جو ناس السفارة الروسية والترجمة اتأخرت؟ انت مشيت جبت الزول من صالة كبار الزوار في دقيقتين لأنك حافظ ٠وجوه الناس كلها. هسه الواحد تلقاه ماسك تلفونو وما عارف الضيف دا منو أصلاً.”

حاج سيداحمد:
هزّ راسو بأسف:
“المشكلة هسه أي زول داير يبقى مراسم عشان يتصور جنب الرئيس. لكن وين الأمانة؟ وين سر الدولة؟ موظف المراسم دا صندوق أسرار. بيشوف وبسمع لكن يندفن معاهو الكلام.”

حاج حمد:
“يا سيداحمد ما حكيت للشباب ديل قصة عثمان علم.. الراجل الكان بروتكول يمشي على رجلين.”

حاج سيداحمد:
اتنهد وابتسم
“عثمان علم الله يرحمو.. دا كان الأستاذ بتاعنا كلنا.”

“سنة 76، الرئيس جعفر نميري ماشي زيارة للسعودية. والملك خالد مستضيف. نزلنا جدة والدنيا صيف نار. عثمان علم قبل ما ننزل من الطيارة لمّانا كلنا وقال: يا أولاد، الملك خالد ما بحب التكلف. البشت عنده أغلى من البدلة. والمواعيد عنده قرآن.”

“وصلنا القصر. مدير مراسم الملك اتأخر دقيقتين بس. الجماعة اتوترت. عثمان علم همس للسفير: خليكم طبيعيين، التأخير هنا احترام.. بدوك قدرك عشان ما تستعجل. وفعلاً الملك جا بنفسو اعتذر.”

“مرة تانية، في مؤتمر قمة في الخرطوم. رئيس دولة أفريقية جا لابس جلابية بلدية والعصاية في يدو. موظف جديد منعو في الباب قال ليهو: ممنوع العصاية. عثمان علم في ثانية شال العصاية من الرئيس باحترام، مسكها هو، ومشى جنبو لحد القاعة. قال للولد بعدين: يا ابني العصاية دي رمز سيادة. موظف المراسم بيشيل النار بيدو ولا يحرج ضيف.”

حاج حمد:
“أي والله. عثمان علم كان يقول لينا: الغلطة في المراسم ما بتتصلح ببيان.. بتتصلح بأدب واعتذار.

حاج سيداحمد:
“آخر درس منو كان يوم نزل المعاش. جمعنا وقال: يا أولاد أنا ماشي، لكن خلوا بالكم من تلاتة:
الدقة، الكتمان، والامانة، الكرامة. لو واحدة وقعت، وقّعت معاها سمعة بلد كلو.”

حاج سيداحمد: سكت مسافة وتذكر:
“يا حاج حمد، تتذكر ليلة العلم المقلوب؟ سنة 88، مؤتمر القمة العربية في الخرطوم؟”

حاج حمد:
“آخ، ديك الليلة الكانت ح تودينا كلنا السجن!”

“قبل القمة بيوم، الساعة 2 صباحاً، لقيت علم دولة شقيقة معلق مقلوب. الولد الجديد نايم. ما كلمت زول، صحيتو بالراحة. ضربت لعثمان علم وهو معاشي. جا بجلابيتو وعدل العلم براهو. تاني يوم القمة نجحت ولا زول جاب خبر. عثمان قال للولد: شغلك يبدأ بعد الكل ينوم. والغلطة ما بتجي في الكبير، بتجي في المسمار الصغير.”

حاج حمد:
“طيب نقول للشباب ديل شنو من إرشادات وخبرة؟”

حاج سيداحمد:
شغلك قبل بدلتك.
المراسم ما قميص مكوي. أنت واجهة دولة. اقرا تاريخ بلدك، تاريخ الضيف، حساسية اللقاء. الغلطة بورطة دبلوماسية.
.. عينك في كل حاجة، خشمك مقفول.
تتصرف بهدوء وبدون شوشرة. وسِرك في بير. البتكلم كتير ما بشتغل مراسم يومين.
.. البروتكول ذوق ما أوامر.
عثمان علم الله يرحمو كان بقول: اكسر الروتين ولا تكسر خاطر الضيف.

واحفظ أسماء الناس ووجوههم.
فلان بيحب القهوة سادة، فلان عنده سكري. التفاصيل دي بتخليك كبير.

كمان أعرف متين تختفي، موظف المراسم الشاطر زي الهوا.. مهم لكن ما بتشاف. أنت بتنجح الضيف، ما بتنجح نفسك.
َوالأزمات ليها رجالها.
الطيارة اتأخرت، العلم وقع، الترجمة قطعت.. أقيف ثابت في مكانك.
َواتعلم من الغلط القديم، ما عيب الزول يقول ما عارف. العيب يعمل فيها عارف وهو ما عارف.

حاج سيداحمد ختم كلامو وهو يمد ليهم مسبحته:
“يا أولادي، البلد دي سمعتها في يدكم. الباب بيفتحو أي زول، لكن هيبة السودان ما بيحفظها إلا الزول البيعرف قيمة الشبر البقيف فيهو.”
.. وكلامي دا ختوهو حلقة في الاضان.

(خمة نفس)
الإشاعة زي نار قش.. تطفيها كيف!! ما تشيلها من خشم لي خشم، لم الموضوع وبس..
… شعب واحد.. جيش واحد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى