ياسر عرمان يكتب .. الدولة وأيديولوجيا المليشيات المالية حاكورة جبريل إبراهيم الاثيرة ــ بعانخي برس
بعانخي برس

ياسر عرمان
حينما دخلت الدولة العناية المكثفة وفقدت اسباب وجودها في مشروع يوحد ويسع الجميع، لجأت للمليشيات لتحقيق أهداف تكتكية في حروب الريف التي انتقلت لمركز الدولة، وهاهي المليشيات تتحرك نحو ابتلاع الدولة وبعضها آت من حروب الريف تحت دعاوي التحرير وإقامة نظام جديد للمفارقة.
الإسلاميون ملوك المليشيات وهم الذين بادروا باختطاف الدولة، وحينما عجزوا عن ذلك، استأجروا بنادق مليشيات جديدة، والآن ندخل مأزق وطني عظيم تتطبع فيه ايدولوجيا المليشيات وخطابها الذي ينتقل من قسمة السلطة والثروة إلى قسمة الدولة بين امراء الحرب، لقد دخلت الدولة بالفعل عصر ايدولوجيا وفقه المليشيات.
في واقع اليوم لابد للمرء ان يتحدث على مقاس طول بندقيته، وبدلاً من حق المواطنة بلا تمييز والمساواة في الحقوق والواجبات الدستورية، فان الحقوق تقاس على بنادق المليشيات التي تقرر قسمة السلطة والثروة، ولكل مليشيا حاكورة من السلطة والمال، ويتفرق دم الدولة ومؤسساتها على عدد المليشيات ونبتعد رويداً رويداً عن حلم بناء دولة وطنية للمواطنة، والعدالة الاجتماعية والديمقراطية، فالحقوق تستمد من البنادق واليوم لا صوت يعلو فوق صوت المليشيات!!
اما جبريل ابراهيم فقد اختار حاكورته في وزارة المالية بعناية للأسرة وشلة الاصدقاء من رجال الاعمال اللصوص والعلاقات الوثيقة مع قدامى أعضاء الجماعة.
المعلومات المتوفرة ومن مصادر حُسنة الاطلاع تقول ان جبريل ابراهيم يسعى لتحريض المشتركة للحفاظ على وزارة المالية ويحرض بقية مكونات المشتركة بان خروجه سيعني خروج الجميع تباعاً ويحاجج بان وزراة المالية هي جزء من اتفاق جوبا وثورة ديسمبر التي انقلب عليها! وسوف نأتي لذلك، ومعضلة جبريل إبراهيم ان مساهماته حينما يتعلق الأمر بالمليشيات قليلة و( ممحوقة) في الحرب المسماة حرب الكرامة، فالقوات التي حاربت معلومة وهو لم يمتلك قوة كبيرة.
مؤخراً اراد كامل ادريس اخراج جبريل ابراهيم من الوزارة وعجز عن ذلك والعجز سمة لازمته في كل شيء، وواجه طلب جديد لإيجاز قانون حكم اقليم دارفور، وبعد مشاورات مع المعنيين قال كامل ادريس : ان نصوص الوثيقة الدستورية (الموؤدة) تنص على قيام مؤتمر للحكم والإدارة وبرلمان لإجازة قانون حكم اقليم دارفور، وجبريل يريد ان يستدرج بقية مكونات المشتركة لحرب حول وزارة المالية، وموقفه ضعيف ومعزول، لان عدد من قادة المشتركة لا يتفقون معه، وأيضاً الاستخبارات العسكرية لها صوت ووجود داخل المشتركة، ولأن تحالفاً جديداً بين الجيش وبعض زعماء المشتركة والدراعة والنور قبة وموسى هلال في طريقهم لتكوين حلف جديد.
أحدى بلدان الخليج الهامة لا تريد التعامل مع جبريل ابراهيم وعلى دراية بعلاقته الوثيقة مع الحركة الإسلامية، كما ان العقوبات الصادرة ضده تمنعه من حضور اجتماعات المؤسسات الدولية، وقد عمل في الفترة الماضية على التخلص من كل الكوادر الوطنية المستقلة داخل وزارة المالية بما في ذلك بعض شاغلي الوظائف العليا، ويكمن مأزقه على وجه التحديد في انه من القلائل الذين لا يستطيعون المناورة والتهديد بالانضمام للدعم السريع فهي متاحة لآخرين وليس له.
ان الدولة الحالية لا تسع الجميع وهي على شفا الانهيار وتحتاج وقف وانهاء الحرب والبناء على ما ينفع الناس لا على ما ينفع اصحاب البنادق.
وزراة المالية لا صلة لها باتفاق جوبا، واتفاق جوبا لم ينص على تكون وزارة المالية للعدل والمساواة أو جبريل وهو يعلم ذلك جيداً وتحديد المواقع الوزارية تم بتفاهمات سياسية غير واردة في اتفاق جوبا، وقد انتهت الصلاحية الزمانية للاتفاق، وذهبت الأطراف التي وقعته وتم تحطيم الإطار الدستوري الذي أنتجه بمشاركة جبريل نفسه في انقلاب ٢٥ أكتوبر مع قيادتي الجيش والدعم السريع.
ان المعركة التي يخوضها جبريل إبراهيم هي شبيه بمعركة عبد الغني الككلي (غنيوة) في ليبيا التي وزع فيها ريع الدولة وبنكها المركزي وعملتها الموحدة على اطراف من قاموا بتقسيم ليبيا ووزعوا الدم الليبي الغالي على المليشيات وهانحن نمضي على نفس الطريق، معركة جبريل هي امتداد لجرائم الحركة الإسلامية في تدمير الدولة واختطافها لمصلحة التنظيم التي يتوكأ على عصا المليشيات.
ان معركة وزارة المالية والادعاء بانها حاكورة مملوكة لجبريل هي تدشين لعصر ايديولوجيا المليشيات والتعريف الجديد للدولة ولقسمة السلطة والثروة خارج مشروع العدالة الاجتماعية وبناء مشروع جديد، بل هي عنوان من عنوانين انتقال السودان لمشروع لاقتسام الدولة ومؤسساتها، وبدون التصدي لهذه القضية من ضمن قضايا عديدة ستندثر احلامنا في المواطنة بلا تمييز والدولة المدنية الديمقراطية والاستقرار والتنمية والسلام المستدام، وبدون بناء قطاع امني في قلبه الجيش المهني القومي الذي يعكس التنوع السوداني ولا يخوض حروب الريف، ويحل معضلات الخلل التاريخي والبنيوي للقطاع الامني فان بلادنا ستذهب في مهب الريح.
قضية الكفاح المسلح فوق آسنة التهميش تحتاج لاعادة نظر عميقة وميلاد جديد، فقد اصبحت شعارات الكفاح المسلح والتهميش معول من معاول اعادة انتاج التهميش تحت شعارات مخادعة عند الكثيرين.
أخيراً دون معالجة دقيقة ورصينة لبنادق المليشيات بطول السودان وعرضه لمصلحة البندقية الواحدة التي تحمي الوطن وتحتكر السلاح عند جيش قومي مهني واحد يحرس سيادة البلاد في ظل دولة مدنية ديمقراطية قائمة على المواطنة بلا تمييز، دون هذه المعالجة فان بلادنا وشعبها مقبلين على شتات مستدام بدلاً عن سلام مستدام.
فالنرفض تمدد أيدولوجيا وفقه المليشيات ولنذهب نحو بناء بلاد جديدة وقوات مسلحة ملك للشعب وليس شعب ملك للقوات المسلحة.
٥ مايو ٢٠٢٦





