راي

شاكر مختار يكتب .. ودمدني تغرق في القمامة.. من المسؤول عن قتل وجه المدينة؟ ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

 

لم تعد القمامة في ودمدني مجرد مشهد مزعج على قارعة الطريق، ولم تعد أكوام النفايات مجرد تفاصيل صغيرة يمكن للمسؤولين تجاوزها في تقارير الأداء.
ودمدني ببساطة تغرق في الأوساخ.
نعم، هذه هي الحقيقة التي يجب أن تُقال بلا تجميل ولا مجاملة ولا بيانات إنشائية.
مدينة كانت تُعرف بالنظافة والجمال والحركة والحياة، أصبحت في بعض شوارعها وأحيائها وأسواقها تواجه مشهداً لا يليق بها ولا بأهلها. أكوام نفايات هنا، مخلفات هناك، حاويات محدودة، ونقاط تجمع تتحول مع مرور الأيام إلى مشهد ثابت وكأنها جزء من التخطيط العمراني للمدينة!
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة
أين الجهات المسؤولة عن النظافة؟
وأين الخطط؟ وأين الآليات؟ وأين المتابعة؟ وأين المحاسبة؟
هل أصبحت نظافة ودمدني ملفاً مؤجلاً إلى أجل غير مسمى؟
المواطن لا يريد مؤتمراً صحفياً عن النظافة، ولا يريد صوراً لآلية تعمل لساعات ثم تختفي، ولا يريد حملة إعلامية تنتهي بانتهاء التصوير.
المواطن يريد أن يرى الشارع نظيفاً.
يريد أن يخرج من منزله دون أن يجد كومة نفايات أمام بابه.
يريد سوقاً لا تتحول مخلفاته إلى منظر يومي مقزز.
يريد مدينة تحترم إنسانها.
وهنا تحديداً تكمن المشكلة: يبدو أن هناك خللاً في طريقة إدارة ملف النظافة، خللاً لا يمكن علاجه بالمسكنات ولا بالحملات المؤقتة.
فالمدينة لا تُنظف بـ«النفرات» وحدها.
المدينة تُنظف بنظام.
نظام لجمع النفايات، ونظام لترحيلها، ونظام لمراقبة الأداء، ونظام لمحاسبة المقصرين، ونظام يحدد بوضوح: من يفعل ماذا؟ ومتى؟ وكيف؟
أما أن تظل النفايات تتراكم ثم تتحرك الجهات المختصة بعد أن تصبح الأزمة حديث الناس، فهذا ليس حلاً، بل إدارة للأزمة بعد وقوعها.
لكن هل المسؤولية على الحكومة وحدها؟
بالطبع لا.
هناك مواطن يرمي النفايات في الشارع، وتاجر يتعامل مع محيط متجره وكأنه لا يعنيه، وسلوكيات خاطئة تحتاج إلى ردع وتوعية في الوقت نفسه.
لكن لا يمكن أن نطلب من المواطن أن يكون عامل نظافة، ومراقباً، ومخططاً، وناقل نفايات في الوقت ذاته.
الدولة تدير الخدمة، والمواطن يلتزم بالنظام.
هذه هي المعادلة الطبيعية.
وعندما تغيب الخدمة، يصبح المواطن أمام خيارين سيئين: إما الاحتفاظ بالنفايات، أو التخلص منها في أقرب مكان متاح.
ومن هنا تبدأ الكارثة.
الأخطر من منظر القمامة هو ما يمكن أن يترتب عليها من آثار صحية وبيئية، خاصة في مدينة تعاني أصلاً من ضغوط كبيرة على الخدمات.
ولهذا فإن ملف النظافة ليس ترفاً.
إنه ملف صحة عامة، وملف بيئة، وملف كرامة إنسانية، وملف إدارة مدينة.
والصمت على هذا الواقع ليس حلاً.
بل إن استمرار الوضع دون معالجة جادة يجعل السؤال أكثر إلحاحاً
هل المشكلة في قلة الإمكانيات فقط، أم في غياب الإدارة والمتابعة والمحاسبة؟
إذا كانت المشكلة نقص الآليات، فليُعلن ذلك للناس بوضوح.
إذا كانت المشكلة في العمالة، فلتُعالج.
إذا كانت المشكلة في التمويل، فليُبحث عن الحل.
إذا كانت المشكلة في سوء الإدارة، فلتتم مراجعة الإدارة.
أما أن يبقى المواطن يرى القمامة أمامه يومياً، ثم يسمع عن خطط واجتماعات وتقارير، فهذه فجوة لا يمكن تغطيتها بالكلام.
ودمدني لا تحتاج إلى معجزة.
تحتاج إلى إرادة إدارية حقيقية.
تحتاج إلى خطة معلنة للنظافة، وجدول منتظم للجمع والترحيل، وتوزيع عادل للآليات بين الأحياء، وحاويات مناسبة، ورقابة ميدانية، وعقوبات على المخالفين، ومحاسبة للجهة التي تفشل في تنفيذ واجبها.
والأهم أن يعرف المواطن من هو المسؤول عندما تتراكم النفايات.
فالمسؤولية التي لا يترتب عليها حساب تتحول مع الوقت إلى مجرد عنوان في ورقة.
ودمدني تستحق أفضل من هذا
هذه المدينة ليست مكباً مفتوحاً.
وليست مجرد مساحة جغرافية لإدارة الخدمات كيفما اتفق.
إنها مدينة لها تاريخها ومكانتها وأهلها، ومن حق سكانها أن يعيشوا في بيئة نظيفة وآمنة ومحترمة.
لذلك، لا نريد أن نسمع غداً عن «حملة كبرى للنظافة» تنتهي بعد أيام.
نريد برنامجاً دائماً.
ولا نريد صوراً للآليات.
نريد نتائج على الأرض.
ولا نريد تصريحات عن الإنجازات.
نريد أن يرى المواطن الإنجاز أمام منزله وفي شارعه وسوقه.
فودمدني اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الكلام… تحتاج إلى من ينظفها.
وإذا كانت الجهات المختصة غير قادرة على جعل المدينة نظيفة، فعليها أن تقول للناس أين تكمن المشكلة، ومن يتحمل مسؤوليتها، وما هو الحل.
أما ترك ودمدني تغرق في القمامة ثم مطالبة المواطن بالصمت، فذلك أمر لم يعد مقبولاً.
النظافة ليست منّة من أحد.
إنها حق للمواطن وواجب على من يتولى إدارة المدينة.
ودمدني تستحق أن تستعيد وجهها… قبل أن تصبح القمامة هي الصورة الأكثر حضوراً في ذاكرة المدينة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى