
*شاهيناز القرشي*
عدم إصدار التأشيرة للبرهان ليس موقفًا غامضًا، بل هو موقف واضح لأمريكا من الجيش السوداني، وما يثير التعجب ليس حجب التأشيرة، بل الظروف التي حدث فيها هذا الإجراء. وليست الظروف الداخلية وحدها التي تتعلق بملف السلاح الكيماوي، ولكن حدث هذا الإجراء في ظل وجود حلفاء إقليميين أقوياء يدعمون الجيش دبلوماسيًا على الأقل، ولهم تأثيرهم على الكثير من القرارات الأمريكية فيما يخص المنطقة. غياب هذا التأثير عن موضوع كتأشيرة البرهان يقول إن الأمر جلل، وما جرى تحت الجسر في الفترة ما بين ظهور ملفات الكيماوي وموعد انعقاد الجمعية العمومية كان أكثر من الماء.
وربما يقدم حلفاء الجيش وعودًا لأمريكا بأن الجيش سيمضي قدمًا في إيقاف الحرب، في محاولة لإنقاذ الموقف، ويتم إصدار التأشيرة، ولكن بعدها سيجدون أنفسهم في موقف لا يُحسدون عليه إذا رفض الجيش التنفيذ أو تماطل. وفي كل الحالات سنصل للمرحلة التالية للموقف الأمريكي حال استمرار الحرب.
توقعت، مع وجود ملف الكيماوي، أن يكون وجود البرهان داخل أمريكا فرصة للضغط عليه وطرح الملفات التي لم تخرج للإعلام، ليعلم حجم الأدلة وجديتها، لينفذ أجندة السلام التي طرحتها أمريكا، ولكن حكومة ترامب تجاوزت هذه المرحلة وقفزت لما بعدها، وعندي هذا لا يُفسر إلا بشيء واحد: أن الموقف الأمريكي السابق تغير. المطلوب يجب أن يُنفذ قريبًا، لا وقت للمماطلة ولا التجاذب حول ماذا سنعطي وماذا ستمنح. هذا موقف واضح وما بعده جاهز، وهذا مؤشر خطير يجب أن يلفت نظر الشعب السوداني إلى الفشل الخارجي الذي تعانيه هذه الحكومة، والذي جعلها بلا أي تأثير ولا ثقل يُذكر حتى عند حلفائها.
السياسة الخارجية الكيزانية التي قدمت السودان في سوق التعاون الدولي كورقة ضد: يمكنك استخدامها وقت الحوجة، ولا تخاف عواقب التخلي عنها والتملص من الاتفاقيات معها، أو حتى سوء المعاملة. الواقع يجسد هذه السياسة، والتي يتبعها البرهان حافرًا بحافر. فالكيزان من قبل، والبرهان من بعدهم ومعهم، لم يستطيعوا تكوين شراكة استراتيجية واحدة تقف معهم وقفة صلبة في الملمات.
فورقة الضد لها فائدة واحدة: الاستخدام ضد العدو، وليحدث لها ما يحدث بعد ذلك. أول حادثة استخدم فيها الكيزان السودان كورقة ضد كانت عندما وقفوا مع العراق ضد الكويت، وتلتها مرات عدة وأصبحت طابعًا للعلاقات الخارجية: وقفوا مع ملس زيناوي ضد منغستو، مع الإخوان المسلمين المصريين ضد حسني مبارك، مع إثيوبيا ضد مصر ومع مصر ضد إثيوبيا حسب الظروف، مع إيران ضد الخليج، مع روسيا والصين ضد أمريكا. ولا يزال وجه عمر البشير وهو يطلب الحماية من بوتين عالقًا بذاكرة الشعب.
لا توجد شراكة واحدة للسودان تقوم على مصلحة اقتصادية ولا سياسية عظمى. حتى الشراكة مع الصين تعاظمت لأن السودان محظور، وليس لأنها أفضل العروض والموجود. ورقة الضد التي تجبرها ظروفها على امتطاء الريح، تحملها أينما هبّت، تعاني الضعف والاهتراء.
ربما يتساءل سائل: لماذا تصمت الدول عن تحكّم أمريكا في تأشيرات الدخول، وهذا يخالف القوانين التي أُنشئ على أساسها المقر؟ الإجابة تكمن في القوة التي تكتسبها الأمم المتحدة نفسها من وجودها في أقوى دولة اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا، ودونك حلف الناتو الذي فقد الكثير من فاعليته بتراجع الالتزامات الأمريكية تجاه الحلف، وربما اصبح مهددًا بالزوال، وهنا تتبع الدول التوازن السياسي اكثر من القانوني لأنه الاكثر فائدة في هذا الموقف، وعلى ذكر التوازن السياسي نجد صمود على الطرف النقيض لسياسة البرهان والكيزان، تطرح صمود نفسها كقوة سياسية تريد الشراكات المتوازنة التي يفهمها العالم ويقدرها، فتجدها تنال الاحترام ويتم استقبالها دون قيود، ولا تخوف من تقلب مواقفها كما يحدث في السياسة الخارجية الكيزانية.
هذا البلد بموارده العظيمة ومساحته وموقعه لا يجب أن يلعب دورًا هامشيًا ضعيفًا في ذيل من يساند الكيزان والحكم العسكري. هذا البلد يجب أن يأخذ موقعه كورقة رئيسية مهمة تتحكم في الأوراق التي تنزل بعدها ومن أجلها، وليس ورقة لدكّ اللعب وقلب الطاولة.





