وكفي ــ طه عواض ــ مرايا مكسورة في بلاد المليون وجع (من سرق وجه السودان)..؟ ــ بعانخي برس
بعانخي برس

تستيقظ الذاكرة السودانية مشلولة في فضاء سريالي، حيث الأرض تبتلع بنيانها والخراب يرتدي ثوب القيامة. هل تذكرون تلك الرماديات الموثقة؟
تلك الإفطارات الرمضانية التي تحولت إلى منصات لشحذ السكاكين، حيث تبارى قيادات الحركة الإسلامية (كأنس عمر والجزولي) في التبشير بـ”المحرقة”؟
لم تكن تلك مجرد مآدب، بل كانت هندسة دقيقة للحظة الانفجار في 15 أبريل.
كان الهدف يمر عبر قطع الطريق أمام “الاتفاق الإطاري” الذي كاد يفكك ما تبقى من منظومة السيطرة والتمكين التي جثمت فوق صدر الوطن منذ انقلاب 1989. حيث جُرّت المؤسسة العسكرية إلى فخ مرسوم، وضُحي بالبلاد في محرقة عبثية لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء ولإحياء حلم السلطة ولو فوق تلال الجماجم.
تتحدث الأرقام بلغة واضحة ومرعبة تعجز العقول عن استيعابها لهولها ولفظاعتها؛ الخسائر الاقتصادية لتدمير البنية التحتية والمرافق العامة قُدرت بنحو 771 مليار دولار. في الخرطوم وحدها تفحمت المعالم وتحولت إلى مدن أشباح، ودُمر ما يقارب 1,877 مصنعاً، وتداعت المستشفيات والجسور والمطارات،
بخلاف الموت المجاني والنزوح واللجوء ..ليعيش المواطن أكبر كارثة إنسانية شهدها العالم الحديث.
ولم يكتفِ صانعو المأساة بتهديد الحياة العامة، بل ذهبوا إلى تجييش وتعبئة الأبرياء تحت مسميات “المقاومة الشعبية”، مستغلين ذريعة دعم الجيش لإنشاء ميليشيات جديدة (ككتيبة البراء بن مالك وغيرها)، مما فتح الأبواب لسيول من الانتهاكات والتصفيات الجسدية التي لا تنتهي.
هنا يصفعنا السؤال المنطقي الذي يعري زيف الواقع:
كيف أقنعوا المواطن المغلوب على أمره بترديد هتاف “جيش واحد..شعب واحد”، بينما تحيط به غابة من الميليشيات المتعددة التي أضعفت بنية ذلك الجيش نفسه ونزعت هيبته؟
كيف تمرر عبارة “شعب واحد” وهم يطبقون في مناطق سيطرتهم قانون “الوجوه الغريبة”؟
ذلك القانون المسخ الذي يفرز السودانيين على أساس اللون والعرق والقبيلة، ويقود الأبرياء إلى غياهب السجون بتهم جاهزة كالتعاون مع الدعم السريع أو الانتماء لحواضنه الاجتماعية.
إن عورة هذه الحجج تتبدى في أقسى تجلياتها عندما نرى كيف هرب الجيش وترك ولايات بأكملها كالجزيرة وسنار، مخلفاً وراءه مواطنين عزل وجهاً لوجه أمام الحقيقة المرة التي مفادها ان من يحميكم ويمسك سلاح الدولة دفاعا عنكم لم يتردد في الهرب امام قوة الدعم السريع كما لم يترك لكم خيار آخرا غير خيار التعايش الغريزي من أجل البقاء.
كان الأجدى أن يُكرم هذا الشعب لصموده الأسطوري في وجه الجحيم، لا أن يحاسب ويواجه الاعتقال والتصفية بتهم التخوين والعمالة من قبل من تخلوا عنه في ساحة المعركة!
أيها السودانيون..
افتحوا عقولكم للحقيقة العارية؛ إن عودة الإسلاميين إلى السلطة أصبحت ضرباً من المستحيل السريالي،
فها هي الرمال تتحرك وتنهار من تحت أقدام مشروعهم. لقد سقطت ورقة التوت، وباتت حجتهم باستمرار الحرب تتلاشى مع كل طفل يموت جوعاً، إذ تأكد للجميع أن شعار الحسم العسكري الزائف المتمثل في “بل بس” لم يكن سوى أداة لإطالة أمد الحرب من أجل حماية مصالحهم الدنيئة والتحكم بمصير ومقدرات العباد.
ولعل المشهد الأبرز الذي يعصف بآخر قشور هذه السلطة ويتجاوز مجرد الحصار الدبلوماسي، هو مشهد المقعد الشاغر في نيويورك؛ حيث جاء حجب الولايات المتحدة لتأشيرة دخول عبد الفتاح البرهان لحضور الدورة الحالية للجمعية العامة للأمم المتحدة بمثابة صفعة مدوية تجرد حكومته من أدوات التمترس خلف غطاء الدولة. لم يكن هذا المنع إجراءً إدارياً عابراً، بل هو تحول جوهري يترجم إعلاناً صريحاً ومباشراً: أن حكومة البرهان باتت مجردة من الشرعية الدستورية، وأن المجتمع الدولي يرى في قادة الحرب مجرد أطراف متصارعة لا تمثل حكماً شرعياً للسودان.إن رهن إصدار التأشيرة بقبول البرهان بالهدنة الإنسانية المقترحة (الـ90 يوماً) يمثل نقلة من التنديد اللفظي إلى ممارسة أدوات “الضغط الخشن” والابتزاز الدبلوماسي لقطع خطوط المناورة الإقليمية.
إن تداعيات هذا القرار على المشهد الراهن أحدثت زلزالاً يضيق خناق العزلة على قادة الجيش ومن خلفهم الإسلاميين؛ إذ أسقط في أيديهم، وبات واضحاً أن التلويح بصفقات السلاح المشبوهة مع إيران أو الاستقواء بكتائب الظل الإرهابية لن يمنحهم اعترافاً دولياً فوق تلال الجماجم.
الحصار يشتد، والعقوبات الأمريكية المتلاحقة، والتحقيقات الدولية حول استخدام الأسلحة الكيميائية، مضافاً إليها هذا المنع المهين، تعني شيئاً واحداً: إن حبل المحاسبة يقترب ليطوق رقاب هذه المنظومة. ومع تضافر مجهودات القوى المدنية والضغط الدولي الواسع عبر الآليات الخماسية والرباعية، تلوح في الأفق بوادر فجر جديد؛ فجر للسلام العادل ومحاسبة هذه العصبة على كل جرائمها التاريخية التي بدأت بانقلاب 89، ومرت بتمزيق الوطن وفصل الجنوب، وصولاً إلى محرقة 15 أبريل وإفقار هذا الشعب العظيم.سيعود السودان واحداً، ليس بالشعارات الزائفة، بل بوعي بنيه وبالمواطنة الحقة والعدالة التي لا تموت.
وكفي
طه عواض





