راي

شاكر مختار يكتب .. رابطة أبناء مدني بمصر بين الواقع الجديد وإشكالات الشرعية التنظيمية ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

 

شهدت رابطة أبناء مدني بمصر خلال بداياتها دوراً مهماً في خدمة أبناء مدينة مدني المقيمين بمصر، حيث ظلت تمثل مظلة اجتماعية وإنسانية وثقافية جمعت أبناء المدينة في ظروف اللجوء والتيه التي فرضتها الأوضاع الاستثنائية التي مرت بها البلاد.
إلا أن المتغيرات الأخيرة، وعلى رأسها عودة أعداد كبيرة من أبناء مدني إلى ديارهم بعد تحسن الأوضاع الأمنية واستقرار الحياة نسبياً داخل المدينة، أفرزت واقعاً جديداً يفرض على الرابطة مراجعة بنيتها التنظيمية وأهدافها وآليات عملها بما يتناسب مع المرحلة الراهنة.

لذلك برزت سطح الواقع عدة أسئلة مشروعة تحتاج إلى إجابات واضحة وحاسمة بعيداً عن الاجتهادات الشخصية أو التفسيرات المتباينة.

إذا كانت الرابطة قد تأسست لخدمة أبناء مدني المقيمين بمصر، فإن السؤال الطبيعي هو: هل يفقد العضو صفته التنظيمية بمجرد عودته النهائية إلى السودان؟
هناك رأيان في هذا الشأن:
الرأي الأول يرى أن العضوية مرتبطة بالإقامة داخل مصر، وبالتالي فإن من عاد بصورة نهائية إلى السودان يصبح خارج نطاق العضوية الفاعلة التي تمنحه حق التصويت والترشح والمشاركة في اتخاذ القرار.
أما الرأي الثاني فيرى أن الانتماء لمدني هو أساس العضوية، وأن العودة للوطن لا تسقط هذا الحق، بل تجعل العضو جزءاً من الكيان أينما كان موقعه الجغرافي.
وبين الرأيين تبقى الكلمة الفصل هي النظام الأساسي واللوائح المنظمة للعمل، فإن كانت هذه الوثائق صامتة تجاه هذه المسألة فلابد من تعديلها بصورة عاجلة لمعالجة هذا الفراغ .
ماذا يحدث إذا انعقدت جمعية عمومية؟
هنا تكمن الإشكالية الأكبر.
فإذا كانت أكثر من ثلثي العضوية قد عادت إلى السودان، فهل يحق لها المشاركة في الجمعية العمومية والتصويت على مستقبل الرابطة داخل مصر ام تتم بودمدني ؟
وإذا تم استبعادها، فهل تصبح القرارات الصادرة معبرة عن الإرادة الحقيقية لغالبية الأعضاء؟
أما إذا تم إشراكها، فكيف تتم المشاركة؟ هل بالحضور الفعلي؟ أم عبر الوسائط الإلكترونية؟ أم بالتوكيلات؟
هذه الأسئلة ليست شكلية، بل تتعلق مباشرة بشرعية أي جمعية عمومية أو انتخابات مستقبلية.
ثم
هل ما زالت الرابطة رابطة أبناء مدني بمصر؟
عندما تصبح غالبية الأعضاء خارج مصر، يبرز سؤال جوهري يتعلق بطبيعة الكيان نفسه.
فهل تظل الرابطة كما هي بوصفها رابطة للمقيمين بمصر؟
أم تتحول إلى كيان عابر للحدود يضم أبناء مدني داخل السودان وخارجه؟
أم يتم إنشاء فروع أو مكاتب تنسيقية داخل مدني ترتبط بالمكتب الموجود بمصر؟ وتأتمر بأمره رغم اختلاف المكان وتفاصيله ؟
هذه قضايا استراتيجية تحتاج إلى حوار واسع بين الأعضاء بعيداً عن التمسك بالأشكال التنظيمية القديمة التي نشأت في ظروف مختلفة تماماً عن الواقع الحالي.

ايضا تحدي الاستمرارية
الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن أي منظمة أو رابطة تستمد حيويتها من حجم العضوية الفاعلة وليس من الأسماء المسجلة في الكشوفات.
فإذا تقلص عدد المقيمين بمصر بصورة كبيرة، فإن استمرار الرابطة بنفس الهياكل والبرامج السابقة قد يصبح أمراً صعباً، ما يستدعي إعادة تقييم الأهداف والأولويات والموارد البشرية المتاحة.

عليه لابد من مراجعة النظام الأساسي بصورة شاملة. والتفكير في تحويل الرابطة إلى كيان يجمع أبناء مدني أينما كانوا مع وجود مكتب بمصر.
وقبل ذلك (إجراء حوار مؤسسي واسع ) قبل انعقاد جمعية عمومية لضمان التوافق حول مستقبل الرابطة.

ختاما أري إن الأزمة الحقيقية ليست في عودة أبناء مدني إلى ديارهم، فهذه العودة تمثل حلماً طال انتظاره، وإنما في قدرة الرابطة على التكيف مع الواقع الجديد. فالمؤسسات الناجحة ليست تلك التي تتمسك بأشكالها القديمة، وإنما التي تمتلك الشجاعة لمراجعة نفسها وتطوير أنظمتها بما يحفظ شرعيتها ويضمن استمرار رسالتها.
واليوم تقف رابطة أبناء مدني بمصر أمام مفترق طرق حقيقي؛ فإما أن تتعامل مع هذه الأسئلة بشفافية وحكمة، وإما أن تظل هذه الالتباسات معلقة، فتفتح الباب لمزيد من الجدل والخلاف حول شرعية التمثيل ومستقبل الكيان نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى