
بينما تزحف الأرقام على جدران الوعي مثل نمل أسود عملاق، يجلس ذلك “المناضل الإلكتروني” خلف شاشته اللامعة، يرتشف قهوته الممزوجة بدم المتروكين في العراء، ويطالب بنغمة حماسية بـ”بلّ” المزيد من الأجساد حتى آخر طفل في السودان المشتعل .
السودان الذي تحول لوح القدر إلى مسرح عبثي سريالي، حيث الوجع لا يكتبه حبر، بل تنزفه مآقي الأمهات.
..
25 مليون إنسان يلوكون الصبر والجوع في أكبر مجاعة كونية، يبحثون عن كسرة خبز تحت ركام البيوت
، بينما يرى منظرو “حرب الكرامة المقدسة” أنها مجرد “حمية غذائية إجبارية” لتمهيد الطريق نحو أوهام النفوذ.
…
11 مليون نازح ومشرد يمشون فوق حبال الهواء، يحملون ذكرياتهم في صرر صغيرة ويفرون من موطئ الموت إلى مجهول أشد قسوة، في حين يصرخ سدنة المعبد الإسلاموي من غرف الفنادق العواصم الباردة: “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.. استمروا في الفناء، فنحن نقترب من حسم التمرد ..بل بس بل بس!”.
..
عشرات الآلاف من الأرواح التي أُزهقت وصارت أجسادها سماداً للأرض التي ترفض أن تنبت سوى الخيبات، تتحول في نشراتهم الموجهة إلى مجرد “أضرار جانبية” في سبيل عودة الكراسي الوثيرة لأصحاب اللحى المستعارة.
إنها الكارثة الإنسانية الأكبر على كوكب الأرض، لكنها تبدو من ثقب إبرة مصالح الإسلاميين مجرد صفقة تجارية رابحة لإعادة تدوير السلطة. يتحدثون عن “السيادة الوطنية” فوق جثث لم تجد كفناً، ويطالبون باستمرار المحرقة لأن رمادها يملأ جيوبهم بالذهب وعقولهم بالوهم.
المأساة الحقيقية ليست في القذيفة التي تخترق السقف، بل في العقل الذي يصفق لانفجارها.
الكارثة الأكبر هي هذا الجهل المقدس، وهذا اللاشعور الذي يجعل الضحية يرقص في حفلة إعدامه الخاصة، مدفوعاً بوعي معلّب صُنع في دهاليز المصالح الضيقة ليوهم الناس بأن الموت هو النصر المبين.
لكن، ووسط هذا الركام وهذا السواد الفاحم، لن نمنحهم ترف الاستسلام لجنونهم. مستمرون، وبكل ما أوتينا من نبض، في حفر أنفاق الضوء من خلال تنمية الوعي وهدم صروح الزيف.
إن معركتنا الحقيقية اليوم هي إيقاف هذه المحرقة وإعادة بناء الإنسان السوداني عبر تأسيس مجتمع مدني حقيقي ينهض على أعمدة التنوع العميقة وقبول الآخر بلا شروط أو إقصاء.
نحن لا نبحث عن وطن بلون واحد يُفرض بالقوة، بل نسعى لصياغة قومية سودانية هجينة وجامعة؛ وطن يتشكل كلوحة تشكيلية مذهلة، يشارك فيها كل سوداني وسودانية بلونه الحقيقي، وثقافته، وتاريخه. إن سر جمال هذه اللوحة لن يكون أبداً في هيمنة لون على حدة، بل في ذلك التمازج العبقري للألوان وتداخلها الجريء، ليعيد رسم “الهوية السودانوية” كقصيدة كونية تسع الجميع تحت ظل سماء واحدة، وتحرم على المدافع أن تنطق، وتصون الحياة كأقدس ما يملك هذا الوطن البهي.
وكما قال محجوبنا ذلك الشريف
حنبنيهو
البنحلم بيه يوماتي
وطن عاتي
وطن خير ديمقراطي
وكفي
طه عواض





