الشافعي طاشين يكتب .. صافرة العودة .. القطار يخترق الخراب ويكتب بداية السودان الجديد (الخرطوم/ مدني) : 174 كلم من الإرادة .. و40 يوماً أعادت للوطن نبضه ــ بعانخي برس
بعانخي برس

لم تكن مجرد صافرة قطار .
كانت صافرة إعلان: (السودان عاد للعمل).
صباح اليوم بمحطة مدني، وعلى أنغام الحديد الذي عاد يحك على الحديد، استقبل الأستاذ سيف النصر التجاني هارون وزير البنية التحتية والنقل والأستاذ الطاهر إبراهيم الخير والي ولاية الجزيرة والمهندس موسى القوم الجهدي مدير عام هيئة سك حديد السودان قطار الصيانة القادم من الخرطوم .
رحلة استغرقت 40 يومياً . 40 يوماً من العرق، واللحام، ورفع القضبان، وإعادة الروح لشرايين كانت مقطوعة.
النتيجة: خط السكة حديد الخرطوم _ مدني بطول 174 كلم.. عاد للحياة .
أولاً: القرار السيادي .. السكة حديد خيار استراتيجي لا رفاهية
وصول قطار الصيانة خطوة إلى الأمام تتبعها خطوات نحو غرب السودان وشماله ودول الجوار .. بهذه الكلمات أعلن وزير البنية التحتية والنقل أن الدولة لا ترمم الماضي. تبني المستقبل.
الرسالة واضحة:
1. السكة حديد بديلاً ناجحاً للنقل الثقيل: وداعاً لاستنزاف الطرق، وداعاً لغلاء الترحيل، مرحباً بنقل آمن ورخيص ومستدام.
2. تطوير سلاسل النقل البري والبحري والجوي: السودان الجديد لن يكون دولة طرق فقط. سيكون دولة موانئ ومطارات وسك حديد. شبكة متكاملة تربط الإنتاج بالعالم.
هذا هو عزم الدولة وجدية الحكومة: أن نبدأ من حيث انتهى الخراب، وأن نجعل من الدمار نقطة انطلاق.
ثانياً: صمام الأمان .. السكة حديد تربط الإنسان بالأرض
السكة حديد صمام أمان النقل البري لنقل المواطنين وربط مناطق الإنتاج والتصنيع بمناطق الإستهلاك .. قالها والي الجزيرة الأستاذ الطاهر إبراهيم الخير بلسان كل مزارع وتاجر ومواطن.
السكة حديد ليست قضبان. السكة حديد هي:
1. ربط: تربط حواشات الجزيرة بمطاحن الخرطوم، وبموانئ بورتسودان، وبأسواق أفريقيا.
2. أمان: قطار آمن للطالب والموظف والأسرة، لا يعرف الزحام ولا النهب.
3. إقتصاد : ترحيل جوال القمح وجوال القطن بكلفة أقل يعني رغيف أرخص وملابس أرخص ووطن أقوى.
وتجديد الالتزام: دعم عودة السكة حديد أفضل من الأول . أفضل .. لأننا تعلمنا من الدرس. وأفضل.. لأن السودان يستحق الأفضل.
ثالثاً: 40 يوماً في وجه الخراب .. ملحمة المهندس والفني
إستعرض المهندس موسى القوم الجهدي مدير سك حديد السودان حجم التحدي: الدمار الكبير الذي أحدثته المليشيا بخطوط السك الحديدية والطرق البرية .
قضبان مقلوعة. كباري منهارة. إشارات محطمة. ومع ذلك.. في 40 يوماً عاد الخط.
هذا ليس صيانة . هذا إعجاز وطني . هذا إعلان أن يد البناء أقوى من يد الهدم. وأن الإرادة السودانية عندما تقر.. تردم الخراب بالقضبان .
والبشارة الكبرى: إستمرار العمل إلى سنار وكل رقعة آمنة بالبلاد. وجاهزية قطار البضائع والترتيبات لصيانة قطار الركاب .
القطار القادم ليس بضائع فقط. القادم هو أنت. هو الأسرة. هو الحلم.
رابعاً: الارتباط الوجداني .. لماذا تبكي العيون لعودة القطار؟
يا سادة، السوداني لا يحب السكة حديد لأنها وسيلة مواصلات. يحبها لأنها ذاكرة وطن .
السكة حديد هي صوت الجد وهو راجع من السوق. هي ريحة الشاي في (بوفيه) المحطة. هي نافذة الطفل التي يرى منها السودان كله يمر. هي الرابط بين الشمال والجنوب، والشرق والغرب، قبل أن يعرف السياسة معنى الفرقة.
عندما توقفت السكة حديد.. توقف جزء من قلب السودان .
واليوم عندما عادت.. عاد الأمل . عاد الإحساس أن هذا البلد قابل للإصلاح قابل للنهوض، قابل لأن يكون سودان جديد مواكب لآخر تطورات البنى التحتية .
الخلاصة: القضبان تكتب التاريخ
174 كلم من الخرطوم إلى مدني ليست مسافة .
هي وثيقة. وثيقة تقول:
1. الدولة حاضرة: تخطط، وتنفذ، وتعيد الإعمار .
2. الاقتصاد يتحرك: من المزرعة إلى المصنع إلى الميناء.
3. المواطن في القلب: توفير نقل آمن ورخيص هو أولوية قصوى .
القطار الذي دخل مدني اليوم لم يحمل حديداً فقط. حمل رسالة:
من الخرطوم إلى مدني .. ومن مدني إلى سنار .. ومن سنار إلى كل السودان .. سنعيد بناءك طوبة طوبة وقضيب قضيب .
مبروك للسودان عودة قطاره. ومبروك للسوداني عودة كرامته على قضبان من فولاذ .





