إن فوكس ــ نجيب عبدالرحيم ــ najeebwm@hotmail.com ــ السودان على مفترق طرق هل يتجه المشهد نحو التقسيم .. ؟ ــ بعانخي برس
بعانخي برس

في ظل استمرار الحرب المدمرة التي يشهدها السودان منذ أبريل 2023 تتعمق المخاوف من أن يكون المشهد السياسي والعسكري الحالي يتجه نحو سيناريو الانفصال لا نحو استعادة الدولة الموحدة فحكومة بورتسودان رغم خطابها الرسمي الذي يؤكد السعي لتحرير كل شبر من سيطرة قوات الدعم السريع إلا أن الموقف على الأرض يكشف عن حقيقة مغايرة وهي أن الأولوية القصوى لقيادة الجيش والحركة الإسلامية المساندة لها تبدو محصورة في البقاء في كراسي السلطة حتى وإن كان ثمن ذلك سقوط المدن واحده تلو الأخرى.
تبرز مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان (أم غرة أم خيراً جوه وبره ) كأحدث مثال على هذا التوجه فمع تقدم قوات الدعم السريع ومحاصرتها للمدينة باتت الأبيض على بعد خطوات من السقوط وهذا التطور ليس مجرد خسارة عسكرية واقتصادية بل خسارة محور استراتيجي ولوجستي و في قلب السودان الغربي وتربط وسط البلاد بغربها، مما يجعلها البوابة الرئيسية المؤدية إلى ولايات دارفور.عقدة مواصلات: ملتقى حيوي للطرق البرية القومية وخطوط السكك الحديدية، بالإضافة إلى مرور خط أنابيب النفط القادم من الجنوب باتجاه ميناء بورتسودان.
عجز الجيش النظامي عن حماية المدن والمدنيين رغم امتلاكه الإمكانات والموارد وقد أفادت التقارير الأممية بمقتل ثمانية أطفال في هجوم وقع في الأبيض في وقت سابق من هذا العام فيما نزح ما يقرب من خمسة آلاف طفل يومياً منذ بدء النزاع في أبريل 2023
لا يمكن فهم حجم المأساة دون النظر إلى الأرقام الموثقة فقد أدت الحرب التي دخلت عامها الرابع إلى مقتل عشرات الآلاف ونزوح أكثر من اثني عشر مليون شخص داخل البلاد ودفعت أكثر من أربعة ملايين وثلاثمائة ألف للفرار إلى دول مجاورة ووفقاً للأمم المتحدة لا يزال حوالي تسعة ملايين وثلاثمائة وثلاثين ألف شخص نازحين داخلياً أكثر من نصفهم من الأطفال بينما يعاني أكثر من واحد وعشرين مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد وتشير منظمة الهجرة الدولية إلى أن ما يقرب من ثلث الشعب السوداني نزح خلال فترة الصراع أي ما يزيد عن خمسة عشر مليون شخص وفي المتوسط وقعت خمسة أحداث مسببة للنزوح أسبوعياً خلال هذه الفترة.
في هذا السياق يظهر المواطن السوداني الخاسر الوحيد في معادلة لا تخدم سوى أجندات ضيقة فالحرب التي باتت تستنزف البلاد لم تعد صراعاً على السلطة فحسب بل تحولت إلى آلة تدمير شاملة فقد تضررت المنازل والخدمات الحيوية مثل المياه والكهرباء بشدة خاصة في الخرطوم التي عاد إليها نحو ثلاثة ملايين نازح ووثقت الأمم المتحدة مقتل آلاف المدنيين بينهم مئة وواحد وتسعون طفلاً في النصف الأول من 2025 فقط ويُقدر عدد النساء والفتيات المعرضات لخطر العنف الجنسي بنحو اثني عشر مليوناً وعشرة آلاف بزيادة ثمانين بالمائة عن عام 2024 ويوجد سبعة عشر مليون طفل خارج المدارس للعام الثالث على التوالي مما يهدد بانهيار كامل للمستقبل التعليمي لجيل كامل.
إن ما يجري يكشف عن أزمة أعمق وهي عجز القيادات السودانية في إدارة الدولة بطريقة تحفظ كرامة الإنسان ووحدة التراب فبدلاً من أن تكون الدولة درعاً للمواطن تحولت إلى ساحة للصراعات التي لا تبقي ولا تذر وفي ظل تقاعس دولي تام رغم أن هذا النزاع تسبب في أكبر أزمة جوع في العالم يتساءل السودانيون أين العالم من مأساتهم
عادت الحكومة السودانية إلى الخرطوم بعد نحو ثلاثين شهراً قضتها في بورتسودان تاركةً وراءها مدينة اكتظت بأكثر من أربعة ملايين شخص ارتفاعاً من مليون وخمسمائة ألف قبل الحرب ثم تراجع سكانها بنسبة تفوق خمسين بالمائة بعد العودة لكن ما لم يغادر مع الحكومة هو ارتفاع الأسعار الذي ورثته المدينة وتحولها من درة الشرق إلى مركز تجاري مضطرب
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس فقط من سيفوز في هذه الحرب .. هل سيبقى السودان دولة موحدة وفي ظل استمرار هذا النهج حيث تتقدم قوات الدعم السريع في كردفان ويترنح الجيش ويُذبح المواطن في المدن المحاصرة يبدو أن الإجابة تتجه نحو خيار لا يرغب فيه معظم السودانيين وهو تقسيم ما تبقى من الوطن وسيكون يوم أسود في تاريخ الأمة السودانية معتم بدون لون بدون طعم أو رائحة يوم طويل عنوانه الحزن والألم لا تزينه سوى الظلمة الحالكة. الطريق الوحيد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه يبدأ بالجلوس إلى طاولة المفاوضات بإرادة حقيقية للسلام فالمفاوضات الجادة ليست استسلاماً بل هي البوابة الوحيدة نحو حكومة مدنية تستند إلى إرادة الشعب وجيش موحد يحمي الوطن لا السلطة وبناء سودان جديد قادر على إدارة موارده الطبيعية والبشرية بكفاءة والحفاظ على المدن والتاريخ والتراث وإسعاف الطاقة البشرية التي مزقتها الحرب فالسودان يملك كل مقومات النهوض لكن الشرط الأول هو وقف آلة التدمير وإعادة بناء الدولة على أسس العدالة والمواطنة المتساوية
لا للحرب… لا وألف لا لا .. نعم للسلام… لا لتقسيم السودان .. المجد والخلود للشهداء. ولك الله يا وطني… فغداً، رغم كل شيء، ستشرق شمسك.




