أ. طارق عبداللطيف ابوعكرمة يكتب .. اقتصاد الحرب في السودان: الذهب والدم وشبكات المصالح الخفية (بين هندسة واشنطن للموارد وإعادة إنتاج الدولة من رحم السوق السوداء) ــ بعانخي برس
بعانخي برس
أ. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
في السودان اليوم، لا تُخاض الحرب بالسلاح وحده، بل تُدار بالذهب، وتُموَّل بالفوضى، وتُبرَّر بالمصالح. ما بدا في بدايته صراعاً على السلطة، انكشف سريعاً بوصفه صراعاً على الثروة، على هندسة جديدة لاقتصادٍ يولد من رماد الدولة المنهارة. فالحرب لم تعد حدثاً عارضاً في مسار السياسة السودانية، بل أصبحت بنيةً اقتصادية متكاملة، تُعيد إنتاج نفسها عبر شبكاتٍ من المصالح والتهريب والولاءات، حيث تتقاطع فيها المصلحة بالدم، والعقيدة بالعمولة، والسلطة بالذهب.
منذ التسعينيات، حين أعلن النظام الإسلاموي مشروع (التمكين)، بدأ الاقتصاد السوداني يتحول من دولة تُنتج إلى دولة تُنهب. لم يكن “التمكين” سوى عملية منظمة لإعادة توزيع الثروة من المجتمع إلى نخبة عسكرية-دينية صنعت لنفسها سوقاً موازية، خارج مؤسسات الدولة، تحكمه الولاءات لا القوانين. ومع سقوط النظام الاسلاموي عبر انتفاضة ديسمبر الثورية عام 2019، لم تنهَر هذه الشبكات، بل غيّرت جلدها. تراجع الخطاب العقائدي، لكن ظلت المصالح التي تراكمت عبر عقود هي المحرك الخفي لاقتصاد الظل، فامتزجت شركات الجيش والأمن ورجال الأعمال المتأسلمين في منظومة واحدة تموّل الحرب وتستثمر في استمرارها.
لقد صار الذهب الدم الجديد في عروق الدولة. من يملك مناجمه يملك القرار، ومن يتحكم في تهريبه يمتلك السلطة الفعلية. تحولت المناجم إلى جبهات قتال، وصار التهريب سياسة، والعاملون في التنقيب جنوداً في اقتصاد بلا قانون. قوات الدعم السريع بنت إمبراطوريتها على تجارة الذهب، بينما احتفظ الجيش بشبكاتٍ اقتصادية واسعة تمتد من الزراعة إلى الاتصالات. وهكذا تشكّل (اقتصاد مزدوج) — دولة رسمية عاجزة، ودولة ظل ثرية تموّل الحرب وتعيش منها. وما بينهما، يتآكل المجتمع ويُستنزف الوطن.
حين تتفكك الدولة وتبقى المصالح، تتحول الحرب إلى نظامٍ اقتصادي كامل. الضرائب تُفرض في الحواجز، والرواتب تُدفع من عائدات الذهب غير المقننة، والمجتمع يُستنزف ليغذي آلة القتال. السلام في هذا السياق يصبح تهديداً للأرباح، لذلك كل اتفاق عسكري يولد هشّاً، لأن الحرب نفسها أصبحت مورداً يُدرّ المال على النخب التي صنعتها. من يربح من استمرار النار لن يُطفئها، ومن بنى ثروته على الحرب لن يشارك في سلامٍ يحاسبه على أرباحه.
لكن خلف كل رقم في ميزانية الحرب، هناك إنسان. مزارع خسر أرضه، وعامل منجم يُستعبد، وطفل حُرم من المدرسة ليحمل السلاح. تحوّل الإنسان السوداني من غاية للتنمية إلى سلعة في سوق الدم. فبينما تتراكم الثروات في يد القلة، يغرق المجتمع في ندرة الدواء والغذاء والأمن. هنا ينهض (اقتصاد الموت) بوصفه الوجه المعاكس لاقتصاد الحياة، حيث تتحول الثروة إلى وسيلة للفناء لا للبقاء.
وفي الخلفية، تتحرك واشنطن بهدوء لإعادة هندسة السلطة في السودان، ليس عبر صناديق الاقتراع، بل عبر السيطرة على الموارد. فالمقاربة الأميركية الجديدة لا تبحث عن (من يحكم)، بل (من يملك المناجم والموانئ ومسارات التجارة). إنها تسعى لتثبيت معادلة جديدة تضمن مصالح الشركات الدولية، عبر إخضاع الموارد الوطنية لإدارةٍ أجنبية تحت شعار (الشفافية والاستقرار). وهنا تكمن المفارقة: ما يُقدَّم بوصفه مشروع سلام، قد يكون بداية لخصخصة السيادة نفسها. إذ كيف يمكن لدولة أن تكون حرة إذا كانت مواردها مرهونة بعقودٍ لا تخضع للمساءلة المحلية؟
أما الحركة المتأسلمة، فقد تخلّت عن مشروع (الأمة) لتلتحق بمشروع (الشركة). صارت وكيلاً اقتصادياً في منظومة الحرب، ووسيطاً بين رأس المال المحلي وشبكات التمويل الخارجي. استبدلت الحاكمية بالعقود، والعقيدة بالأرباح، وتحولت من حركة (دينية) إلى شبكة مصالح تحميها شعارات ميتة. وهكذا اندمج رأس المال المتأسلم مع رأس المال العسكري، في معادلة جعلت السياسة امتداداً للمحاسبة البنكية لا للفكرة الوطنية. ومن يملك الحساب يملك القرار.
إن الخطر الأكبر لا يكمن في استمرار الحرب فحسب، بل في تحوّلها إلى منطقٍ أخلاقي جديد. حين يصبح القتال مهنة، والتهريب عملاً، والدم مورداً مالياً، تنحلّ الدولة من معناها الأخلاقي، ويتحوّل الفساد إلى نمط حياة. تُشترى الولاءات وتُباع المواقف، ويُستبدل الشرف بالعائد. وهنا تتهاوى القيم المؤسسة للمجتمع، فلا يبقى سوى منطق القوة والمنفعة. لذلك فإن تفكيك اقتصاد الحرب لا يبدأ بالمفاوضات، بل بإعادة تأسيس العلاقة بين العمل والقيمة، بين الجهد والثروة، بين الإنسان وكرامته.
وما يزيد المشهد تعقيداً هو امتداد هذه الشبكات إلى محيطٍ إقليمي يشكّل شرياناً حيوياً للحرب. فطرق تهريب الذهب تمر عبر الحدود، وتمويل الجماعات المسلحة يأتي من دولٍ ترى في السودان سوقاً للفوضى ومتنفساً لمصالحها. بعض القوى الإقليمية تستثمر في استمرار النزاع لأنه يؤمن لها موارد رخيصة ونفوذاً استراتيجياً. وهكذا يتحوّل الصراع من أزمة وطنية إلى مشروعٍ اقتصادي إقليمي، يصعب فصله عن شبكة المصالح العابرة للدول.
إن كسر هذه الحلقة المفرغة يتطلب رؤية تتجاوز السياسة إلى الاقتصاد والأخلاق معاً. لا يكفي وقف إطلاق النار، بل يجب تفكيك بنية اقتصاد الحرب: عبر الشفافية والمحاسبة ومراقبة المناجم ومنع تهريب الأموال واستعادتها، وبناء اقتصاد إنتاجي يعيد توزيع الثروة بعدالة، ويمنح المواطن العادي سبباً للإيمان بأن السلام يمكن أن يكون مربحاً كما كانت الحرب.
فالسودان لن يُشفى ما لم تُقطع شرايين المصالح التي تغذي نيران الصراع. الذهب الذي يلمع في المناجم هو ذاته الذي يحترق في الخرطوم، والثروة التي تُنهب باسم الله تُعيد إنتاج عبوديةٍ جديدة باسم السوق. إن استعادة السودان تبدأ من استعادة أخلاق العمل، ومن تحويل الثروة من وقودٍ للحرب إلى طاقةٍ للسلام، ومن وعيٍ عربيٍّ جديد يرى في السودان مرآة لأزمة الأمة العربية بأكملها.
فالمعركة الحقيقية ليست بين جيشٍ ومليشيا، بل بين مستقبلين: مستقبل تصنعه أخلاق الإنتاج والعدل، وماضٍ يكرّسه اقتصاد النهب والاحتكار. والغلبة في النهاية لن تكون لمن يملك السلاح، بل لمن يملك الوعي — الوعي بأن الثروة بلا عدالة ليست نعمة، بل لعنة، وأن الأمم التي تبيع ذهبها لتشتري حربها، تكتب نهايتها بأيديها.




