ميادة ابراهيم بابكر تكتب .. نساءٌ صنعن التاريخ… وكنَّ الحكاية .. زينب بنت الأسطى.. حكاية لونٍ حمل اسمها ــ بعانخي برس
بعانخي برس

ميادة إبراهيم بابكر
ليست المرأة نصف المجتمع، بل هي كل المجتمع.
في مدينتي الصغيرة رفاعة، التي ترقد على ضفاف النيل، لمعت أسماء نساءٍ غيّرن مسار التاريخ، وخططن بأحرف من نور صفحاتٍ خالدة في سجل المجتمع السوداني. هنّ رائداتٌ حملن راية تعليم البنات، وقُدن مجتمعاتهن إلى فضاءات أرحب من العلم والمعرفة، وحُسن التربية والتدبير المنزلي، ووضعن بصماتهن بماء الذهب على جبين مجتمعاتهن.
فخلّد التاريخ أسماءهن، وأظهرن مساهمة فاعلة امتدت من رفاعة إلى مدن السودان المختلفة، في سبيل رفعته وتقدمه، من خلال نشر تعليم البنات وترسيخ قيم العلم والتربية.
وكان لرفاعة شرف الريادة في هذه المسيرة؛ إذ كان للشيخ بابكر بدري القدح المعلّى والريادة في فكرة تعليم البنات، في خطوة جريئة سبقت زمانها، وانطلقت بداياتها من داخل بيته، حين بدأ بتعليم بناته، ثم اتسعت الفكرة لتصبح مشروعًا مجتمعيًا أسهم في فتح أبواب التعليم أمام أجيال من الفتيات السودانيات.
ومن بين تلك البدايات، برزت أسماء نسائية لم تكن مجرد طالبات في مدرسة، بل كنّ شاهدات على ميلاد مرحلة جديدة، وفاعلات في صناعة التغيير؛ نساءٌ أدركن مبكرًا أن تعليم المرأة ليس شأنًا يخصها وحدها، بل هو استثمار في الأسرة والمجتمع والوطن.
بعضٌ من كل
وفي هذا المقال، نستشرف ونتشرّف بأن نوثّق بعضًا من كلّ، من مسيرة سيداتٍ جئن من رحم رفاعة، ونشأن وترعرعن في كنف التعليم والعلم، في زمنٍ كان فيه العالم يضجّ بالجهل، وكانت فكرة تعليم الفتيات نفسها ضربًا من الجرأة والخروج على المألوف.
في عام 1902م، كانت فتيات رفاعة في مقتبل الصبا، وفي ربيع العمر وعنوان الشباب والجمال، وقد اشتهرت رفاعة منذ القدم بجمال فتياتها، فأضفن إلى ذلك الجمال جمال العلم والمعرفة.
فكانت المدينة التي ترقد على ضفاف النيل ترفل في ثوب المعرفة، وتخط لنفسها مكانًا مضيئًا في تاريخ التعليم بالسودان.
ومن هنا، سنفرد في كل مقال مساحةً لرائدة من رائدات التعليم في رفاعة؛ نساءٌ لم يكنّ مجرد أسماء عابرة في صفحات التاريخ، بل كنّ صانعاتٍ له، حملن مشاعل العلم، وفتحن الأبواب أمام أجيال من الفتيات.
نساءٌ صنعن التاريخ… وكنَّ الحكاية.
زينب بنت الأسطى
في مطلع القرن العشرين، وفي مدينة رفاعة التي كانت تخط أولى صفحاتها في تاريخ تعليم البنات، بدأت حكاية فتاة لم تكن تعرف أن تفصيلة صغيرة من حياتها ستجعل اسمها باقيًا حتى بعد رحيلها.
كان اسمها زينب بنت الأسطى.
نحو عام 1900م، قدم إلى رفاعة رجل من مدينة كسلا يُدعى سليمان ضيف الله، وكان يعمل في التفصيل الأفرنجي، واشتهر بلقب «الأسطى». استقر الرجل في رفاعة، وتزوج فيها، وأنجب ابنته زينب.
نشأت زينب في بيت قريب من عالم الخياطة والتفصيل. كان والدها يصطحبها إلى مكان عمله، فتعلقت عيناها بالأقمشة والخيوط والإبر والألوان، وتسلل حب الحرفة إلى قلبها منذ الصغر.
لكن شغفها لم يكن بالخياطة وحدها.
كانت محبة للمعرفة، شغوفة بالتعلم، تلتقط ما حولها بعين يقظة وعقل متفتح.
وحين جاء الشيخ بابكر بدري إلى رفاعة، وبدأ تجربته الرائدة في تعليم البنات، كانت زينب من أوائل الفتيات اللاتي التحقن بفصل تعليم البنات، إلى جانب زهراء الفكي، وآمنة عبدالله، وأم سلمة بابكر بدري.
هناك، بدأت زينب رحلة أخرى.
تعلمت القراءة والكتابة والخط العربي وحفظ القرآن، ووجدت في المدرسة فضاءً يفتح أمامها أبوابًا جديدة للحياة.
وكان بابكر بدري شديد الاهتمام بتلميذاته، وقد لفت نظره في زينب حبها للعلم وشغفها بالتعلم.
غير أن زينب كانت تحمل موهبة أخرى جاءت من قربها من والدها.
الخياطة.
برعت فيها، ولم تتعامل معها باعتبارها مجرد حرفة، بل جعلت منها فنًا.
كانت تتفنن في التطريز، وتنسج من الخيوط الملونة أشكالًا زخرفية عُرفت بـ«المشكّلة»، وكانت شديدة الميل إلى استخدام اللون الزرعي والتركوازي في أعمالها، حتى أصبح اللون علامة مرتبطة بها.
ولم تكتفِ بأن تستخدمه في خياطتها، بل كانت ترتديه أيضًا بدرجاته المختلفة.
فلاحظ الشيخ بابكر بدري ذلك، وأصبح اللون في نظر من حولها هو:
لون زينب.
حين خرجت زينب عن المألوف
كانت طالبات المدرسة يمارسن صناعة الطواقي وبيعها في السوق، في إطار النشاط الذي يجمع بين التعليم والتدريب على الحرفة والإنتاج، ويسهم في دعم المدرسة.
وكانت الطواقي في ذلك الوقت تُعرف بألوان تقليدية؛ الأبيض للكبار، والأحمر للشباب.
لكن زينب لم تكن ترى أن المألوف يجب أن يظل مألوفًا إلى الأبد.
فقررت أن تجرب لونًا مختلفًا.
لونًا يميل إلى الزرعي، لم يألفه الناس في الطواقي من قبل.
صنعت زينب طاقيتها، وخرج اللون من بين يديها كما لو أنه يحمل شيئًا من روحها.
لفت اللون الأنظار.
بدأ الناس يسألون عنه، وأصبح معروفًا بينهم، حتى صاروا يشيرون إليه باسم الفتاة التي ارتبط به:
«لون زينب بنت الأسطى».
ويُروى أن الشيخ بابكر بدري كان يقول للفتيات:
«سوّوا لون زينب بنت الأسطى».
وهكذا، خرج اسم زينب من جدران المدرسة إلى السوق، ومن السوق إلى البيوت، حتى صار الناس يعرفون اللون، وربما عرفوا اسمه قبل أن يعرفوا صاحبة الحكاية.
زينب… أكثر من لون
لكن زينب لم تكن مجرد فتاة ارتبط اسمها بلون.
فقد عُرفت بالحشمة والأدب وحسن الخلق والعلم، وكانت جادة في حديثها، حاضرة البديهة، تحفظ الأمثال السودانية وتضرب بها في مواضعها.
وكان لها حضور محبب بين زميلاتها، تحرص على مجالستهن، وتنشد أبياتًا في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك قولها:
الحبُّه شال نومي ديما مساهر
يا الله حل قيدي ولي مكة أسافر
وكانت تحب قراءة القرآن، وتتمنى زيارة بيت الله الحرام، حتى تحققت أمنيتها عام 1924م، فأنشدت فرحًا:
لنبينا الكريم أتم النية أزور أنا
القسمة ما معبورة
والعند الله ما مخبورة
وكانت الخياطة رفيقة حياتها؛ فبعد أن أكملت تعليمها، عملت معلمة للخياطة، ويُروى أنها كانت من أوائل النساء اللاتي تولين تعليم هذا الفن في السودان.
أتيحت لها فرصة للعمل خارج البلاد، لكن والدها رفض سفرها، فواصلت عملها معلمة للخياطة في رفاعة.
ثم تزوجت من السيد المبارك عيسى، وأنجبت، وتركت العمل بعد الزواج، لكنها لم تترك الخياطة ولا شغفها بها، وظلت تدير شؤون منزلها بنفسها.
وكان الشيخ بابكر بدري قد وصفها بقوله:
المقنّعة سادر
وخشمها طابل
وغير زوجها ما بتقابل
وعاشت زينب حياتها في هدوء، محاطة بالأسرة والمجتمع، تحمل معها أخلاقها وعلمها وحبها للحرفة.
حتى رحلت عام 1990م، بعد حياة امتدت قرابة تسعة عقود.
رحلت زينب، لكن اسمها لم يرحل.
ففي ذاكرة رفاعة، بقي لون يحمل اسمها، وبقيت وراء ذلك اللون حكاية فتاة سودانية عاشت في زمن كانت فيه فكرة تعليم البنات بداية لتحول اجتماعي كبير؛ فتعلمت، وأبدعت، وعلّمت، وتركت أثرًا تجاوز حدود عمرها.
ولعل أجمل ما في الحكاية أن زينب لم تكن تبحث عن تخليد اسمها.
كانت فقط فتاةً أحبت العلم، وأحبت الخياطة، وأحبت الألوان.
اختارت لونًا مختلفًا…
فأصبح اللون يحمل اسمها.
وفي مدينة صغيرة على ضفاف النيل، كان تعليم البنات قد بدأ حكاية أكبر من فصول الدراسة؛ حكاية نساء أدركن أن المعرفة قادرة على تغيير مصير الأسرة والمجتمع والوطن.
ومن بين أولئك النساء، بقيت زينب بنت الأسطى واحدة من الوجوه التي تستحق أن تُروى حكايتها.
فقد لا تستطيع السنوات أن تحفظ كل التفاصيل، لكنها لا تنجح دائمًا في محو الأثر.
نساءٌ صنعن التاريخ… وكنَّ الحكاية.





