مرفأ الكلمات ــ عثمان عولي ــ حين تكون المهنية هي الحكم.. هل تكفي رواية طرف واحد لوصف الوالي بالظالم؟ ــ بعانخي برس
بعانخي برس

في الصحافة، لا تكمن القضية في امتلاك الرواية الأقوى أو الوصول إلى المنبر الإعلامي أولاً، بل في قدرة الصحفي على الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، وجعل الحقيقة هدفاً، لا نصرة طرف على حساب آخر.
من هنا تأتي ملاحظتي على المقال الذي نشرته الزميلة الصحفية هاجر سليمان بشأن والي ولاية النيل الأبيض، والذي وُصف فيه الوالي بالظلم والتغول على حق أحد المواطنين، استناداً إلى رواية طرف واحد من النزاع.
لا أكتب للدفاع عن الوالي أو للحكم على صاحب الأرض، وإنما أطرح سؤالاً مهنياً: هل استوفى المقال حق الطرف الآخر في عرض وجهة نظره؟ وهل جرى الاستماع إلى الوالي أو الجهة التنفيذية المختصة قبل إطلاق وصف «الوالي الظالم»؟
تزداد أهمية هذا السؤال بعد التسجيل الصوتي الذي نشره المحامي ياسر زين العابدين محمد عبدالله، وقدم فيه رواية أخرى للقضية، داعياً إلى النظر إليها من جميع جوانبها بعيداً عن الانحياز.
الصحافة ليست محكمة
الصحافة لا تصدر الأحكام، بل تبحث عن الوقائع. والصحفي المهني لا يكتفي بسماع صاحب الشكوى، مهما بدت روايته مقنعة، بل يبحث عن الطرف المقابل، ويفحص المستندات، ويسأل الجهات المختصة، ثم يقدم للقارئ صورة متوازنة.
وبحسب ما ورد في تسجيل المحامي، فإن القضية ليست قراراً شخصياً أصدره الوالي بمنع صاحب الأرض من البناء، وإنما ترتبط بإجراءات جهات مختصة بالبنية التحتية والاستثمار، وبطبيعة الأرض باعتبارها أرضاً استثمارية، ومدى الالتزام بالشروط والمواصفات والفترة الزمنية المحددة للتشييد.
إن صحت هذه المعلومات، فهي ليست تفصيلاً هامشياً، بل جوهر القضية. فالسؤال الصحفي لا ينبغي أن يكون فقط: لماذا ظلم الوالي المواطن؟ بل: من أصدر القرار؟ وعلى أي أساس؟ وهل كان متوافقاً مع القانون؟ وهل تدخل الوالي مباشرة؟ وما موقف إدارة الاستثمار؟ وما المستندات التي يستند إليها كل طرف؟
الرواية الأخرى
أشار المحامي إلى أن الأرض ذات طبيعة استثمارية، وأنها مُنحت منذ عام 2009، وأن اكتمال البناء كان مرتبطاً بشروط ومواصفات وفترة زمنية محددة. كما أوضح أن القضية أصبحت أمام القضاء، وأن صاحب الأرض لجأ إلى محكمة الطعون الإدارية مطالباً بإلغاء القرار الإداري والتعويض عن الأضرار والخسائر التي يراها.
إذا كان الأمر كذلك، فإن القضية لم تُحسم قضائياً بعد. لذلك فإن وصف أحد الأطراف بأنه «ظالم» أو «متغول» قبل اكتمال الصورة يحتاج إلى حذر مهني كبير، لأن الكلمة الصحفية قد تتحول إلى حكم في ذهن القارئ، خصوصاً عندما تتعلق بشخصية عامة ومؤسسة حكومية وحقوق مواطن.
حق المواطن وحق الوالي
ليس من المهنية الوقوف ضد المواطن لمجرد أنه دخل في نزاع مع الحكومة، كما لا يصح الوقوف معه لمجرد أنه الطرف الذي روى شكواه للصحافة.
للمواطن حق في أن تُسمع شكواه، وللوالي حق في عرض دفوعه، وللجهة الإدارية حق في شرح قرارها، بينما يملك القضاء وحده سلطة الفصل في النزاع القانوني.
ومن حق الصحافة مراقبة أداء المؤسسات العامة وطرح الأسئلة حول القرارات التي تمس مصالح المواطنين، لكن هناك فرقاً بين تناول القضية صحفياً وإصدار حكم مسبق بشأنها. يمكن للصحفي أن يعرض ملابسات القضية، والقرار الصادر، والجهة التي أصدرته، وحجج المواطن، ورد الحكومة، وما تقوله المستندات، وما تنظر فيه المحكمة. أما تحويل المادة إلى إدانة مسبقة، فهو خروج عن التوازن المهني.
كلمة للزميلة هاجر
الزميلة هاجر سليمان صحفية متمرسة، وملاحظتي عليها ليست خصومة، بل حرص على المهنة. كنت أتمنى أن يشتمل المقال على رواية الطرفين، وأن نسمع صوت الوالي أو الجهة التنفيذية المختصة، وأن تُعرض المستندات والقرارات بصورة متوازنة، ثم يُترك للقارئ تكوين موقفه.
فالصحفي لا يحتاج إلى القول: هذا ظالم وهذا مظلوم. يكفي أن يعرض الوقائع، ومستندات كل طرف، والمساحة التي ينظر فيها القضاء.
الكلمة الصحفية ليست عابرة؛ فقد يعيد شخص نشرها، ثم يضيف إليها آخرون، حتى تتحول رواية واحدة إلى «حقيقة» في الوعي العام، رغم أنها ربما لم تخضع للتحقق والاستقصاء. والمهنية تعني التحقق قبل النشر، والاستماع إلى جميع الأطراف، وفحص المستندات، والتمييز بين الخبر والرأي، والحذر في إطلاق الأحكام.
لا للانحياز ولا لتحصين المسؤولين
الحديث عن المهنية لا يعني تحصين المسؤولين من النقد. فالوالي، كأي مسؤول حكومي، ليس فوق المساءلة. وإذا ثبت وجود قرار خاطئ أو تجاوز إداري أو ظلم لمواطن، فعلى الصحافة كشفه.
لكن الفرق بين الصحافة الاستقصائية والمنحازة أن الأولى تبحث عن الحقيقة، بينما تسعى الثانية إلى تأكيد الرواية التي بدأت بها.
وطالما أن القضية أمام المحكمة، فمن الأفضل ترك مساحتها للقضاء، مع استمرار الصحافة في أداء دورها الرقابي بمسؤولية. فإذا حكم القضاء لصالح المواطن أو الجهة الحكومية، وجب احترام الحكم.
نحن لا نحتاج إلى صحافة تصنع خصومات جديدة، بل إلى صحافة تكشف الحقيقة وتساعد المجتمع على فهمها. لذلك: اسمعوا الطرفين قبل الحكم، اقرأوا المستند قبل النشر، تحققوا قبل الاتهام، واتركوا للقضاء ما هو من اختصاصه.
فشرف الصحافة الحقيقي أن تكون شاهداً على الحقيقة، لا طرفاً في النزاع.





