
هناك أشخاصٌ تمرّ بهم في الحياة، وهناك رجالٌ يتركون أثراً لا تمحوه الأيام. وبين الاثنين مسافة لا تقاس بالمناصب ولا بالألقاب، وإنما بما يتركه الإنسان من محبة في قلوب الآخرين، وما يقدمه من مواقف صادقة حين يحتاج الناس إلى الموقف قبل الكلام.
ومن بين هذه القامات التي ارتبط اسمها بالحركة الكشفية العربية، يبرز اسم القائد الدكتور عبدالله الطريجي، جمعية الكشافة الكويتية، ورجل البرلمان العربي والكويتي، الذي ظلّت علاقته بالكشافة السودانية وقياداتها تحمل كثيراً من الود والتقدير والتواصل.
ولعل العبارة التي قالها الدكتور الطريجي: «أحب السودان وشعبه» تختصر مساحة كبيرة من العلاقة الإنسانية التي تجمعه بالسودانيين؛ فالسودانيون بطبيعتهم لا ينسون من أحبهم بصدق، ولا ينسون اليد التي امتدت إليهم، ولا المواقف التي جاءت في وقتها.
وفي المعرض الكشفي المصاحب لمؤتمر «الحركة الكشفية بين التطوع والنشاط الاقتصادي» بدولة الكويت، كان الجناح السوداني حاضراً بثقافته وتراثه وأصالته، وكأن السودان لم يذهب إلى الكويت بوفد كشفي فقط، بل حمل معه شيئاً من روحه؛ ألوانه، تراثه، موروثه الشعبي، وذاكرته الممتدة في وجدان أبنائه.
وعندما زار الدكتور عبدالله الطريجي الجناح السوداني، كان المشهد أكبر من مجرد زيارة بروتوكولية. كان لقاءً بين محبة قديمة وكشافة تجمعهم قيم واحدة، فكان في استقباله عدد من رواد الكشافة السودانية، وجرى تكريمه تقديراً لما قدمه من دعم واهتمام للحركة الكشفية، وسط حضور ومشاركة كشافة ومرشدات السودان بالكويت وعدد من القيادات وأبناء الجالية السودانية.
الكشافة السودانية… حين يصبح الوفاء ثقافة
ما يميز العلاقة بين الدكتور عبدالله الطريجي والكشافة السودانية أنها لم تُبنَ على مناسبة عابرة، وإنما على تقدير متبادل للحركة الكشفية ورسالتها الإنسانية والتربوية.
فالقيادة الكشفية الحقيقية لا تعرف الحدود الجغرافية، لأن قاموسها يبدأ بالإنسان وينتهي بخدمة الإنسان.
والطريجي، بما عرف عنه في الأوساط الكشفية العربية من حضور وتواصل، ظل قريباً من الكشافة السودانية وقياداتها، ولذلك فإن تكريمه لم يكن مجرد وشاح أو درع يُسلَّم في مناسبة، وإنما كان تعبيراً عن وفاء سوداني لرجل وجد في السودان وأهله مساحة خاصة في قلبه.
ولأن السودان حين يحب، يحب من القلب، كان طبيعياً أن يجد الدكتور الطريجي مكانته بين رواد الكشافة السودانية، وأن تتحول كلماته عن السودان إلى مساحة من المحبة المتبادلة.
بادل القائد عاطف عبدالمجيدالمحبة.
وفي هذا المقام، لا يمكن أن نمر على المشهد الكشفي العربي دون أن نستحضر اسم القائد عاطف عبدالمجيد، الأمين العام للمنظمة الكشفية العربية ومدير المركز الكشفي العربي الأسبق.
فالرجل ظل حاضراً في مساحات عديدة من العمل الكشفي العربي، وكانت له أيادٍ بيضاء ومساهمات مقدرة في دعم أنشطة الرواد والكشافة السودانية، وهو ما يجعل ذكره في مثل هذه المناسبات جزءاً من حفظ الجميل والاعتراف بالفضل. وربط اسمه بالطريجي.
والكشافة، قبل أن تكون مخيمات وشارات ومهارات وبرامج، هي مدرسة في الوفاء والعرفان ورد الجميل.
ومن هنا تأتي قيمة العلاقات التي نسجها السودان مع قيادات الحركة الكشفية العربية؛ علاقات تتجاوز الاجتماعات والمؤتمرات، لتصل إلى الإنسان، وتبني جسوراً من المحبة بين الشعوب.
السودان حاضر… والكشافة جسر
لم يكن الجناح السوداني في الكويت مجرد مساحة لعرض بعض المنتجات أو الموروثات، بل كان نافذة صغيرة أطل منها السودان على الآخرين.
فحين تعرض الكشافة السودانية تراثها، فإنها تقول للعالم إن السودان، رغم ما مر به ويمر به، ما زال يحتفظ بذاكرته وثقافته وتنوعه، وأن أبناءه قادرون على حمل صورته الجميلة إلى المحافل العربية والدولية.
وهنا تتجلى واحدة من أجمل وظائف الحركة الكشفية: أن تجعل من الاختلاف الثقافي فرصة للتعارف، ومن التراث جسراً للمحبة، ومن العمل التطوعي لغة مشتركة بين الشعوب.
ولذلك فإن حضور السودان في مثل هذه الفعاليات ليس ترفاً، بل هو جزء من الحضور الثقافي والإنساني الذي يحتاجه السودان اليوم أكثر من أي وقت مضى.
كلمة أخيرة
عبدالله الطريجي ليس مجرد اسم في قائمة القيادات الكشفية العربية؛ فهو بالنسبة للكشافة السودانية قائدٌ عرف السودان، وأحب شعبه، وفتح أبواب التواصل، وترك في نفوس من عرفوه أثراً طيباً.
وفي زمنٍ أصبحت فيه المواقف تُقاس كثيراً بالمصلحة، تظل مواقف الرجال أصحاب المروءة والوفاء أكثر قيمة من كل الكلمات.
ولذلك نقول للطريجي، من السودان الذي أحببته وأحبك أهله:
أنتَ لم تكن ضيفاً على الكشافة السودانية، بل كنتَ واحداً من أهلها، جمعتنا بك المحبة قبل الميادين الكشفية، والوفاء قبل التكريم.
ويبقى أجمل ما يمكن أن يُهدى لرجلٍ عرفناه بطيب الخلق وكرم النفس:
وما المجدُ إلا سيرةٌ طاب ذكرُها
إذا غابَ أهلُ المجدِ بقيَ الأثرُ
عبدالله الطريجي… شكراً لأنك أحببت السودان، وشكراً لأن السودان وجد فيك رجلاً يستحق المحبة.




