مرفأ الكلمات ــ عثمان عولي ــ البرهان وروسيا.. من دبلوماسية الحرب إلى صناعة مستقبل السودان ــ بعانخي برس
بعانخي برس

ليست زيارة رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى روسيا مجرد محطة في جدول العلاقات الخارجية، ولا لقاءً عابراً بين مسؤولين، بل هي فرصة لفتح نوافذ جديدة أمام السودان في عالم تتصارع فيه المصالح، وتتغير فيه التحالفات، وتُعاد فيه صياغة موازين القوة والنفوذ.
تُعد روسيا أحد الأقطاب المؤثرة في السياسة الدولية، وصاحبة حضور استراتيجي في ملفات الأمن والطاقة والتسليح، كما تسعى إلى توسيع علاقاتها وشراكاتها مع الدول الأفريقية. ومن هنا، فإن العلاقة السودانية الروسية يمكن أن تشكل مدخلاً مهماً لتحقيق مصالح مشتركة، إذا أُحسن توظيفها في خدمة الأولويات الوطنية، بعيداً عن الارتهان لمحاور الصراع الدولي أو الاكتفاء بالشعارات السياسية.
وللسودان موقع استراتيجي لا تخطئه حسابات الجغرافيا؛ فإطلالته على البحر الأحمر، وقربه من الممرات البحرية الحيوية، وامتداده الأفريقي، تجعل منه دولة ذات أهمية في معادلات الأمن والتجارة والطاقة. وهذه المقومات تمنح الخرطوم أوراقاً تفاوضية ينبغي أن تُدار بحكمة، لتكون جسراً للتعاون والتنمية، لا ساحة لتصفية الحسابات الدولية.
لكن السؤال الأهم: ماذا يريد السودان من روسيا؟
إن المطلوب من هذه الزيارة أكبر من تبادل الزيارات والمجاملات الدبلوماسية. السودان يحتاج إلى شراكة عملية تترجم إلى اتفاقيات واضحة، ومشروعات قابلة للتنفيذ، ومكاسب يشعر بها المواطن في حياته اليومية. يحتاج إلى استثمارات حقيقية في الزراعة والصناعة والتعدين والطاقة، وإلى تطوير الثروة الحيوانية، وفتح أسواق جديدة للصادرات السودانية، ونقل التكنولوجيا والخبرات التي تساعد على إعادة بناء ما دمرته الحرب.
كما يحتاج السودان إلى التحرك في اتجاه فك عزلته السياسية والاقتصادية، وتوسيع شبكة علاقاته الدولية على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. فالدبلوماسية الناجحة ليست في عدد الحلفاء الذين تعلن عنهم الدولة، بل في قدرتها على تحويل العلاقات إلى فرص عمل، وإنتاج، واستقرار، وتنمية.
وفي الجانب العسكري، تبرز أهمية التعاون الذي يعزز قدرات القوات المسلحة السودانية على حماية السيادة الوطنية وتأمين الحدود والمنشآت الحيوية، وفق احتياجات الدولة ومصالحها الدفاعية. فحماية الوطن ضرورة، لكن القوة العسكرية ينبغي أن تكون جزءاً من مشروع وطني أوسع، غايته استعادة الأمن والاستقرار وتهيئة الظروف لعودة الحياة والإنتاج.
إن روسيا ليست الدولة الوحيدة التي يمكن للسودان أن يتعاون معها، كما أن العلاقة معها لا ينبغي أن تكون بديلاً عن علاقات متوازنة مع بقية دول العالم. فالمصلحة السودانية تقتضي الانفتاح على الجميع، شرقاً وغرباً، مع الحفاظ على استقلال القرار الوطني، وعدم السماح لأي طرف بأن يجعل من السودان ورقة في صراعاته مع الآخرين.
وهنا تكمن مسؤولية القيادة السودانية: أن تذهب إلى موسكو بملفات محددة، وأولويات واضحة، ورؤية اقتصادية وسياسية متكاملة؛ ملفات تتعلق بإعادة الإعمار، وتأهيل البنية التحتية، وتطوير الموانئ والنقل، وتعزيز الأمن الغذائي، واستعادة النشاط الصناعي، وتوسيع فرص الاستثمار والتبادل التجاري. والأهم أن تكون هناك آليات للمتابعة والتنفيذ، حتى لا تبقى الاتفاقيات حبراً على ورق.
يا سيادة الرئيس، إن السودان الذي أنهكته الحرب لا يحتاج إلى اصطفافات جديدة بقدر حاجته إلى شراكات تنقذه من أزماته، وتعيد إليه قدرته على الإنتاج، وتفتح أمام شبابه أبواب الأمل والعمل. يحتاج إلى علاقات دولية تحترم سيادته، وتدعم مؤسساته، وتسهم في استعادة وحدته الوطنية، وتساعد على بناء سلام مستدام لا يترك أسباب الصراع قائمة.
السودان أولاً، ومصالح شعبه فوق كل اعتبار. تلك هي البوصلة التي ينبغي أن توجه كل خطوة خارجية، وأن تحكم كل اتفاق سياسي أو اقتصادي أو عسكري.
فهل تتحول زيارة البرهان إلى روسيا إلى بداية مرحلة جديدة من الشراكة المثمرة، بما يحقق للسودان مكاسب ملموسة ويسهم في تعافيه من آثار الحرب؟ الإجابة لن تصنعها التصريحات وحدها، بل ستكتبها النتائج على أرض الواقع.





