*عمرسيكا يكتب .. المعاشات تحت المجهر.. إلى متى يبقى المعاشي آخر من يُنظر إليه* *رجاء انيس مدير الصندوق. الاسم الموجود في قلب الأزمة* ــ بعانخي برس
بعانخي برس

من أفنى زهرة شبابه في خدمة السودان لا ينبغي أن يقضي ما تبقى من عمره يطارد معاشه ومستحقاته بين المكاتب.
ومن عمل ثلاثين وأربعين عاما في خدمة الدولة لا ينبغي أن تكون مكافأته معاشا لا يكفيه لشراء أبسط ضروريات الحياة.
ومن أحيل إلى المعاش منذ سنوات لا يجوز أن تظل تسوية حقوقه معلقة عاما بعد عام.
هذه ليست قضية هامشية، وليست خلافا شخصيا بين موظفين وإدارة.. إنها قضية دولة.
الصندوق الوطني للمعاشات والتأمينات الاجتماعية ليس مؤسسة عادية؛ فهو الجهة التي اؤتمنت على حقوق شريحة واسعة من السودانيين الذين أمضوا أعمارهم في خدمة الوطن.
ولهذا فإن ما يجري داخله يستحق أن يكون تحت المجهر.
إضراب واسع.. ورسالة لا يجوز تجاهلها
بحسب إفادات العاملين والنقابة، فقد نُفذ يوم الاثنين 26 أكتوبر 2026 إضراب واسع في فروع الصندوق بالخرطوم والولايات، باستثناء مناطق الحرب، وسط تأييد من اتحادات معاشية ولائية واتحادية.
وعندما يصل العاملون في مؤسسة بهذا الحجم إلى الإضراب، فليس من الحكمة أن تتعامل الحكومة مع الأمر وكأنه مجرد خلاف نقابي عابر.
هناك أزمة، والأزمة تحتاج إلى معالجة.
وإذا كانت النقابة والعاملون يملكون مستندات وشكاوى محددة، فعلى الجهات المسؤولة أن تستمع إليهم، وتتحقق منها، وتعلن للرأي العام نتيجة التحقيق.
أما سياسة الصمت والتأجيل فلن تحل المشكلة.
رجاء أنيس برسوم.. الاسم الموجود في قلب الأزمة
مديرة الصندوق الوطني للمعاشات والتأمينات الاجتماعية هي الأستاذة رجاء أنيس برسوم، وقد صدر قرار تعيينها مديرا عاما للصندوق في نوفمبر 2019 خلال حكومة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك.
وظل اسمها يظهر في المصادر المنشورة في السنوات اللاحقة بصفتها مديرة عامة للصندوق.
ومن هنا فإن من حق الرأي العام أن يسأل عن حصيلة الإدارة خلال هذه السنوات، وعن أوضاع المعاشيين والعاملين، وعن الملفات التي ظلت معلقة، وعن أداء المؤسسة وأموالها واستثماراتها.
هذا ليس حكما بالإدانة، ولكنه حق أصيل في المساءلة.
فمن يتولى مسؤولية مؤسسة عامة يجب أن يكون مستعدا للمساءلة عن أدائها.
ثلاث سنوات من الانتظار.. فمن المسؤول؟
تتحدث إفادات العاملين والمعاشيين عن وجود معاملات لتسوية مستحقات أشخاص أحيلوا إلى المعاش منذ عام 2023 وما زالت معلقة حتى الآن.
نحن في نهاية عام 2026.
ثلاث سنوات!
ثلاث سنوات ينتظر خلالها إنسان حقه بعد أن أفنى عمره في الخدمة.
أي منطق يقبل ذلك؟
نريد إجابات واضحة:
كم عدد الملفات المتأخرة؟
كم تبلغ قيمة المستحقات؟
ما أسباب التأخير؟
من المسؤول عن كل مرحلة من مراحل الإجراء؟
ومتى سيحصل أصحاب الحقوق على أموالهم؟
هذه ليست أسئلة تعجيزية.
الوثائق والأرقام قادرة على الإجابة عنها.
أموال المعاشيين.. أين هي وكيف تدار؟
وهنا نصل إلى السؤال الأكبر.
أموال الصندوق هي في أصلها حقوق مرتبطة بالمؤمن عليهم والمعاشيين، ولذلك فإن إدارتها واستثمارها يجب أن تكون محكومة بأعلى درجات الشفافية والرقابة.
وقد تناولت تقارير صحفية واستقصائية سابقة قضية أموال المعاشيين واستثمارات الصندوق، وأشارت إلى أصول واستثمارات في مؤسسات وعقارات وأراض وشركات، وطرحت أسئلة حول إدارة هذه الأموال ومدى انعكاس عوائدها على أوضاع أصحاب المعاشات.
وهنا نقول بوضوح:
نريد أن نعرف أين أموال المعاشيين؟
كيف تستثمر؟
ما حجم أصول الصندوق؟
ما حجم عوائد الاستثمار؟
كم يدخل للصندوق سنويا؟
كم يخرج؟
وما حجم الأموال التي توجه فعليا لتحسين المعاشات؟
ومن الجهة التي تراجع هذه الاستثمارات؟
وهل توجد تقارير مالية ورقابية مستقلة يمكن الاطلاع عليها؟
هذه ليست أسئلة عدائية.
هذه أسئلة أصحاب حق عن أموال تخصهم.
حديث عن فساد.. والتحقيق هو الفيصل
تتردد بين العاملين والمعاشيين اتهامات وشكاوى تتعلق بما يصفونه بوجود فساد واختلالات إدارية ومالية داخل الصندوق.
ونحن لا نحول هذه الاتهامات إلى أحكام قضائية.
لكننا نقول:
إذا كانت هناك مستندات أو بلاغات أو وقائع محددة، فلماذا لا تُفتح الملفات؟
إذا ثبتت المخالفات فليحاسب المسؤول عنها.
وإذا لم تثبت فليظهر ذلك للرأي العام.
أما أن تبقى الاتهامات معلقة، فهذا يضر بالمؤسسة وبالعاملين وبالإدارة نفسها.
التحقيق النزيه هو الطريق الوحيد لإغلاق باب الشائعات.
ماذا عن استمرار شغل المناصب بعد بلوغ سن المعاش؟
هناك أيضا حديث متداول بشأن الوضع القانوني لشغل بعض المناصب بعد بلوغ سن المعاش، وما إذا كانت القرارات الحكومية الأخيرة تنطبق على شاغلي الوظائف القيادية في المؤسسات العامة.
وهذا الملف لا يحتاج إلى جدل سياسي.
يحتاج إلى حسم قانوني واضح.
إذا كانت الأستاذة رجاء أنيس برسوم مستوفية للشروط القانونية للاستمرار في منصبها، فليعلن الأساس القانوني لذلك.
وإذا كانت هناك قرارات حكومية نافذة تستوجب إنهاء تكليف من تجاوز سن المعاش، فلتطبق على الجميع.
لا نريد إقصاء أحد، ولكن لا نريد استثناء أحد من القانون.
إلى رئيس مجلس السيادة الوطني: هذه مسؤوليتكم
وهنا نرفع النداء إلى رئيس مجلس السيادة الوطني:
إن ملف المعاشيين والعاملين في الصندوق لم يعد يحتمل التجاهل.
المطلوب تدخلكم العاجل لتوجيه الجهات المختصة بفتح هذا الملف ومراجعته بصورة شاملة، والوقوف على حقيقة ما يجري داخل الصندوق، وضمان عدم ضياع حقوق المعاشيين والعاملين.
نريد أن نعرف:
أين تعطلت الإجراءات؟
ومن المسؤول عن التأخير؟
وما مصير مستحقات من تقاعدوا منذ عام 2023؟
وما حقيقة الشكاوى التي يرفعها العاملون والمعاشيون؟
وهل إدارة الصندوق ملتزمة بكل القرارات الحكومية والقوانين واللوائح النافذة؟
إن انتظار المعاشي ثلاث سنوات للحصول على مستحقاته ليس أمرا عاديا يمكن أن يستمر بلا مساءلة.
تدخلوا قبل أن تتحول المشكلة الإدارية إلى أزمة اجتماعية أكبر.
وإلى مجلس الوزراء والجهات المختصة
نقولها بوضوح:
لا تتركوا القضية للنقابة والإدارة حتى تستنزفا بعضهما البعض.
اجلسوا مع الطرفين.
افتحوا الملفات.
راجعوا الحسابات.
افحصوا الاستثمارات.
راجعوا قرارات التعيين والتكليف.
تحققوا من كل شكوى موثقة.
وأعلنوا النتيجة للرأي العام.
فالدولة التي تريد محاربة الفساد لا تخشى فتح الملفات، والدولة التي تثق في مؤسساتها لا تخشى المراجعة.
لا تجعلوا المعاشي يدفع ثمن الحرب مرتين
المعاشي السوداني دفع ثمن الحرب مثل غيره.
فقد فقد الأمن والاستقرار، وارتفعت الأسعار، وتشتتت الأسر، وتعطلت الخدمات.
فلا تجعلوه يدفع الثمن مرة ثانية بتأخير حقوقه.
لقد أدى واجبه.
والآن جاء دور الدولة لتؤدي واجبها.
مطالب عاجلة لا تحتمل التأجيل
نطالب بصورة عاجلة بـ:
1. تسوية جميع ملفات المعاشيين المتأخرة منذ عام 2023 وصرف المستحقات التي ثبتت قانونيتها.
2. مراجعة قيمة المعاشات بما يتناسب مع الظروف الاقتصادية وتكاليف المعيشة.
3. مراجعة المناشير والقرارات الخاصة بتحسين المعاشات وبيان ما تم إيقافه وأسباب ذلك.
4. فتح مراجعة مالية وإدارية شاملة للصندوق.
5. التحقيق في كل الشكاوى والاتهامات الموثقة، ومحاسبة من تثبت مسؤوليته.
6. مراجعة الوضع القانوني لشاغلي المناصب القيادية في ضوء القوانين والقرارات الحكومية النافذة.
7. الاستماع إلى ممثلي العاملين والمعاشيين بصورة مباشرة.
8. وضع آلية واضحة تضمن عدم تكرار تأخير مستحقات المعاشيين.
وأخيرا..
نحن لا نريد إسقاط مؤسسات الدولة.
ولا نريد الفوضى.
ولا نريد تصفية حسابات شخصية.
ولا نريد استهداف أحد بسبب دينه أو أصله أو انتمائه.
نحن نريد دولة قانون.
نريد مؤسسة معاشات تعمل بشفافية.
نريد موظفا مصانا في حقوقه.
نريد معاشيا يحصل على مستحقاته دون إذلال.
نريد مال المعاشيين مصانا.
نريد استثمارات معلومة وعوائد واضحة.
نريد مراجعة ومحاسبة إذا ثبتت المخالفات.
ونريد حماية كل من تثبت براءته من الاتهامات.
أما أن يظل المعاشي ينتظر من عام 2023 إلى نهاية عام 2026، فهذه مسألة لا يجوز أن تمر بصمت.
لقد خدموا السودان عندما كان السودان يحتاج إلى خدمتهم، وحان الوقت ليخدم السودان من خدموه.
فليكن ملف الصندوق اختبارا حقيقيا لجدية الدولة في الإصلاح، ولقدرتها على حماية المال العام، وإنصاف العاملين، وصيانة حقوق المعاشيين.
اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد.
والله من وراء القصد.





