
*شاهيناز القرشي*
من أغرب العلاقات التي نراها بين الدول هي العلاقة ما بين السودان ومصر. تعتمد مصر على السودان في الكثير من المواد الخام، سواء كانت الزراعية أو الحيوانية أو المعدنية، وأراضي السد العالي كانت منحة كريمة من الحكومة السودانية على حساب الشعب، وحتى استمرار واستقرار مياه النيل داخل مصر يعتمد على كثير من المنح السودانية من حصة السودان. المنطق يقول إن السودان هو الذي يمتلك اليد العليا على مصر.
إذن، في هذه العلاقة، يجب أن يكون السودان هو القادر على التحكم في مجريات الأحداث والسياسة داخل مصر، ولكن، ولسخرية القدر، يحدث العكس، فنجد أن مصر تصنع السياسة وتصنع الأحداث الداخلية، في كثير من الأحيان، داخل السودان، ويكون ذلك لمصلحتها وحدها، وضد المصلحة السودانية بشكل سافر.
وحرص مصر على مصالحها جعلها تدعم استمرار الحكم العسكري في السودان وتطاوله. في أحد الأيام قال متحدث إن العسكري يحترم القوة التي تتفوق عليه، والرتبة التي تعلوه. فإذا نظرنا إلى الجيش المصري، فهو أقدم وأعرق من الجيش السوداني، حيث بدأ محمد علي باشا التجنيد الإجباري في مصر عام 1822، وتخرجت أول دفعة من العساكر المصريين عام 1825، بينما بدأت نواة الجيش السوداني بتكوين قوة دفاع السودان مع الحكم الثنائي عام 1925. ساهم الجيش المصري في تكوين وتدريب هذه القوة، وتبنت عقيدته، وأقسمت بالولاء لخديوي مصر، وكانت أول قوة عسكرية تمثل دولة السودان( حقائق تاريخية)، وقبلها كانت القوات الموجودة تمثل أقاليم أو مناطق أو ممالك داخل السودان.
لذلك نجد العسكري السوداني يدين بالولاء للعسكري المصري، وكأنه شيء موروث، فيسمح للدولة المصرية بأن تتحكم وتعبث بالأحداث داخل السودان. وعلى عكسهم، نجد دائمًا أن المدنيين حاولوا صنع علاقة تبادلية، أو تقوم على المساواة والأخذ والعطاء بين مصر والسودان. وفي أغلب الأحيان وقفت مصر ضد هؤلاء الذين يحاولون صناعة هذه العلاقة، وعملت على التخلص منهم بواسطة الجيش السوداني.
ونجد أن المخابرات المصرية حريصة على صناعة صورة تستقر في العقل الباطن السوداني، والعقل الباطن المصري، والتي تنمط السوداني كشخص أقل قيمة من المصري، ويعمل عنده كبواب. فشلت هذه الفكرة في السودان، وظل السوداني معتزًا بنفسه، ولكنها نجحت عند الشعب المصري، ونوعًا ما عند العسكري السوداني.
نموذج البواب الذي تقدمه مصر على أنه سوداني هو نموذج مختلق تمامًا. لا يوجد بواب سوداني في مصر، بل هم أبناء الأقاليم المصرية الجنوبية، أو هم أبناء الصعيد المصري الذين يتمتعون ببشرة سمراء. فتجد الإعلام المصري، والوعي الجمعي المصري، يجعل هذا الأسمر سودانيًا، كنوع من التبرؤ من هذا السمار، بأنه لا ينتمي لمصر، وإنما ينتمي للسودان، ليس احتقارًا لوظائفهم فقط، ولكن أيضًا ليثبتوا نقاء العرق المصري من الاختلاط بالأفارقة السود، وكذلك لزرع فكرة أن السوداني يعمل عند المصري.
بينما لا يمكن للسوداني أن يعمل كبواب في مصر، لعدة أسباب، أولها ضعف الدخل في هذه الوظائف في مصر، والذي لا يعتبر مجزيًا للحياة في السودان. ولا يوجد سوداني يغترب من أجل أن يعيش هو في دولة ويترك أسرته خلفه. السودانيون، في غالبهم الأعظم، إن لم تكن أسرته معه في تلك الدولة، فهو يعيلها داخل السودان. وكلنا نعلم أن الحياة في السودان أغلى من مصر، فراتب البواب لا يمكن أن يكفي العامل السوداني لإعالة نفسه وأسرته داخل مصر، بينما يستطيع أهل مصر الحياة بهذه الرواتب القليلة.
ولكنها فكرة صنعوها واستقرت في الوجدان المصري، واستغربها السوداني دائمًا، لأنه لا يوجد سوداني واحد سيخبرك أن والده عمل كبواب في مصر. وهذا تحدٍّ: من هو البواب الذي تعرفه وهو سوداني الأصل؟ كلهم من الصعيد أو من أسوان، انا لا اتحدث عن من اجبرهم المستعمر على العمل وانتهت اعمالهم بالجلاء، ولا من شردتهم الحرب واجبرتهم الآن على اللجؤ لمصر والحياة مثل فقراء مصر أنا اتحدث عن اصل القصة.
العساكر السودانيون، على مر الزمن والتاريخ، جعلونا رهائن لهذه الدولة التي لم يحكمها مدنيون قط. فمصر، منذ استقلالها، لم تُحكم بواسطة مدنيين إلا محمد مرسي، الذي انقلب عليه الجيش بعد سنة واحدة. على عكس السودان، الذي نال استقلاله على يد المدنيين، وكان أول حاكم للسودان الزعيم الأزهري، وهو مدني، وأول حاكم لمصر كان محمد نجيب، وهو عسكري.
هذا المشهد فقط يخبرك أن اسباب استقرار مصر كانت سبب لتخلف السودان، وان السودان كان سيذهب بعيدًا لولا تأثر الجيش السوداني بالجيش المصري وتمسكه بالسلطة. ستأتي المبررات بأن المدنيين هم من يستعينون بالجيش لينفذ الانقلابات، وربما هذا صحيح، ولكن القانون الذي منح العسكري السلاح يجب أن يمنعه، ويرفض الانصياع للمدني، وحتى وإن كان المدني يدفع بالجيش للانقلاب، فالعسكري ينقلب ويحكم، ولم يسلمها للمدنيين قط، إلا في التجربة اليتيمة للمشير سوار الذهب. انقلب إبراهيم عبود وحكم حتى الثورة عليه، ثم النميري حتى الثورة، ثم عمر البشير، والآن هنالك البرهان يعيد التاريخ.
العلة والمرض الرئيسيان في جيشنا، يدخل الصراعات السياسية، وتجده يعيبها على الأحزاب، مع أن هذا هو عملها، أن تتنافس سياسيًا، ويمكنها أن تتشاكس وتناقض بعضها، ففي النهاية سيفوز أحدهم، ونذهب للنوم آمنين بعد ندوة عاصفة تبادلوا فيها الاتهامات، وربما اشتبكوا بالأيدي، فتأتي الشرطة لتفرقنا، ويحرسنا الجيش، ونعود غدًا لندوة أخرى، ونكتب بعض المقالات ونطلق النكات.
ولكن عندما يدخل الجيش اللعبة ليتنافس ويشاكس، وهو الوحيد الذي يحمل السلاح في الميدان، نصل إلى شكل السودان ما قبل الحرب: فقر، وجهل، وعقوبات، وتخلف. وعندما تتنافس سياسيًا قوتان تحملان السلاح، نصل إلى سودان ما بعد الحرب.



